رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


مُنقِذون عاجزون!

«الديون والأكاذيب عادة ما تختلط بعضها مع بعض»
المؤلف والكاتب الفرنسي فرانسيس رابيلايس

لا .. ليست مبالغة. وعندما ننفي المبالغة، لا يعني بالضرورة أننا من محبي التشاؤم، أو من مناصري الإحباط، أو من مؤيدي الإرباك، أو من مروجي الهموم، أو من أولئك الذين لا يرون سوى الجانب المظلم من مشهد فيه أيضاً جانب مضيء، يحتوي على شيء يمكن التأسيس عليه (بصرف النظر عن هشاشته). ليست مبالغة التحذيرات الآخذة في الانتشار في كل الأجواء، من أن الديون السيادية national debt لا أعرف كيف تكون هناك سيادة مع الديون؟!)، ربما تفجر أزمة اقتصادية عالمية جديدة. التحذيرات الأقل حدة (أو الأقل رعباً)، تتحدث عن مرحلة جديدة من الأزمة الاقتصادية، بسبب هذه الديون، التي فاقت كل التقديرات، ووصلت إلى مستويات لم تصل إليها حتى في عز الحروب الكبرى والصغرى! دول ثرية بسمعتها، لكنها ''ثرية'' أيضاً بديونها. دول ثرية بديونها، لكنها فقيرة بسمعتها! كلها تحت الهم ترزح، وضمن المشكلات المتوالدة تعيش. كل واحدة منها تسعى إلى إخراج ما يمكن إخراجه من قَدمِها، من محيط الأزمة التي لا تزال مسيطرة على الحراك الاقتصادي – وإن بدرجات متفاوتة – مثل سيطرة ''الأخ الأكبر'' The big brother (الذي سماه - ولم يبتكره - الأديب البريطاني جورج أورويل)، على المجتمعات بناسها وحياتها ومستقبلها. هذه الدول لا تختلف بديونها، عن ديون الأفراد الذين كُبلوا بها، لتتحول بعد ذلك إلى أزمة لم تحدث من قبل، وإن كانت كل الاحتمالات مفتوحة لتَحدُث في المستقبل، خصوصاً في ظل البطء، في تصحيح المسار الاقتصادي العالمي، ولا سيما الجانب المالي منه، الذي عَمَتُه الجريمة بآثامها.
الديون السيادية (ولنقل الحكومية لأنها أبلغ توصيفاً)، ليست مصيبة قائمة بذاتها فقط، بل كارثة .. على ماذا؟ على المحاولات والإجراءات الهادفة إلى الوصول إلى أقرب مستوى للاستقرار المالي العالمي. إنها تتفاعل في وقت يحتاج فيه العالم إلى وجود حكومات أقل مديونية، وأكثر قوة - سياسياً واقتصادياً وتشريعياً.. وحتى إجرائياً – لإزالة أدران الأزمة الاقتصادية، ووضع نظام مالي لا يشبه ذاك الذي وفَر مقدمات الأزمة، وعصف بالعالم على مدى سبعة عقود من الزمن وقضى على ما يمكن تسميته ''الوجدان الاقتصادي''، ودحر الأخلاق التي كان يجب أن تشكل صرحاً أصيلاً في النظام الاقتصادي ككل.
ربما تكون بعض المخاوف من الأزمة العالمية قد زالت، وأخرى في طريقها إلى الزوال، بصرف النظر عن المدة الزمنية (وهي ليست قصيرة). لكن المخاوف المتعاظمة باتت تسيطر على الموقف من الموازنات العامة العاجزة لدول كبرى، كانت في السابق تملك ''أسلحة'' بمقدورها تخفيف العجز، أو سده برمته. الذي يحدث الآن، أن الحكومات المُنقذة للمؤسسات المالية، والمطالَبة بمواصلة عمليات الإنقاذ والتحفيز والإسناد، غارقة في الديون. وظهر هذا بوضوح من انخفاض قيم أصول المصارف والمؤسسات المالية في الربع الأول من العام الجاري إلى 2,3 تريليون دولار أمريكي، بينما بلغت قيمة هذه الأصول في تشرين الأول (أكتوبر) من العام الماضي 2,8 تريليون دولار. أي أنها تراجعت بمقدار 100 مليار دولار شهرياً! إلى ماذا يؤدي هذا؟ يؤدي – حسب صندوق النقد الدولي – إلى إطالة فترة انهيار الائتمان، وسيجعل الأنظمة المصرفية وغيرها من الأنظمة المالية، في مهب الريح مجدداً، وسيُبقي بالطبع على هشاشة مستوى الائتمان.
المخاوف لا تُحدق فقط باقتصاد اليونان المتشبثة بكل المنقذين، ولا تخص أيضاً دولاً مثل إسبانيا أو لاتفيا أو البرتغال. بل باتت جزءاً أساسياً من الحراك الاقتصادي في الولايات المتحدة واليابان وبريطانيا. فديون هذه البلدان الأخيرة تبدو خارج مجال التصديق. الولايات المتحدة تضخ لديون تصل إلى 95 في المائة من ناتجها القومي، وتعيش بريطانيا بديون وصلت إلى 57 في المائة من ناتجها، أما اليابان فقد وصلت ديونها إلى قرابة 200 في المائة من ناتجها! وللتذكير يرتفع الدَين العام في الولايات المتحدة، بمعدل 3.79 مليار دولار أمريكي في اليوم الواحد، منذ أيلول (سبتمبر) من عام 2007! والديون تعصف أيضاً بدول كبرى أخرى مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا، وغيرها من الدول التي تتسلم حالياً زمام المبادرة والأمور في إصلاح الاقتصاد العالمي، وخصوصا النظام المالي فيه. إنها أزمة ضمن أزمة، علماً بأن الأزمة الاقتصادية، لم تكن السبب الأول لها، فقد كانت هذه الديون تتعاظم ـ وإن بمستويات أقل ـ حتى قبل أن تأتي هذه الأزمة، وتجلب معها الخراب للإنسانية كلها.
يقول المؤلف الروماني ببليلوس سيروس: '' الديون .. هي عبودية الأحرار''، وحكومات الدول الكبرى – قبل الصغرى- تعيش عبودية غير مسبوقة في هذا المجال. فهي تسعى – كغيرها من الحكومات – إلى البقاء في السلطة أطول فترة ممكنة، بصرف النظر عن مدى استقرارها السياسي، المتأثر سلبا من عدم استقرارها الاقتصادي. إنها حقاً تعيش عبودية، بينما تجد صعوبة في العثور على من يتعاطف معها، وذلك لسبب واحد فقط، هو أن هذه الحكومات تركت الحبل على الغارب لـ ''أفاقي'' السوق، ولمروجي الوهم، ولبائعي أوراق لا قيمة لها، ولـ ''مُلَهمين'' صَدموا هم أنفسهم من فداحة ''إلهامهم''! الحكومات في منطقة اليورو، تنظر بقلق وتوتر إلى مستقبل ''التصحيح'' الاقتصادي اليوناني، ولا سيما أنها منخرطة في عملية التصحيح هذه. وزاد القلق أكثر عندما لم يستبعد جان كلود يونكر رئيس مجموعة اليورو ''يوروجروب''، أن تجد بلدانا أخرى من منطقة اليورو نفسها في وضع مشابه لوضع اليونان، ومضى أبعد من ذلك حين طالب بضرورة إصلاح المعاهدات الأوروبية لإنشاء آلية خاصة بمنطقة اليورو، لتسوية مثل هذه المشاكل في المستقبل. فهو يرغب في وجود آليات تجنب أوروبا من الغوص في بحار الديون. وإذا كانت اليونان (بعجزها الاقتصادي) قد أحدثت هزة عنيفة، ضربت أوروبا وأثرت في بلدان خارج محيط هذه القارة، فإن عجز متطابق العوامل (والحالة) يضرب الولايات المتحدة أو بريطانيا أو اليابان أو ألمانيا، سيحدث زلزالاً، لن ينجو منه أحد. ولنا أن نعرف - حسب منظمة ''التعاون والتنمية الاقتصادية'' – أن الدول الثلاثين الأكثر تقدما في العالم، ستشهد ارتفاعاً في ديونها 100 في المائة، من إجمالي ناتجها المحلي في عام 2010، وهو ما يمثل ضعفي ديونها تقريبا في غضون 20 عاما!
لرسام الكاريكاتير اللبناني ـ السويسري باتريك تشاباتي، رسمٌ لخص فيه فداحة الديون الحكومية، ليس فقط في الوقت الراهن، بل في المستقبل. فقد رسمَ مجموعة من المسؤولين الغربيين يقرأ أحدهم بياناًَ جاء فيه :'' إننا نشكر أحفادنا، لأنه لولا أموالهم، ما كانت عمليات التحفيز والإنقاذ ممكنة''! وبالفعل لخص هذا الفنان الكارثة، بهذه الجملة المفيدة جداً. فالديون الحكومية، الناجمة بصورة رئيسية عن عمليات الإنقاذ، التي تطلبتها الأزمة الاقتصادية، التي بدورها جريمة ارتكبها المنقذون أنفسهم، ليست ديون المرحلة، بل ديون المستقبل. فكل طفل يولد الآن، يخرج إلى الدنيا وهو مَدين بأموال لم يقترضها، وبالتأكيد لم ينفقها!
إنها جريمة متكاملة شاملة. ضمت في ''أحضانها'' الأطفال وفي محيطها البالغين على حد سواء، وأصابت العالم أجمع بكارثة ليست طبيعية، بل ''كارثة مُصنعة''!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي