اللوائح التنفيذية وتحديد الأرباح أهم الخطوات ليحقق قانون التمويل العقاري أهدافه
تنتظر جميع الأطراف المعنية في سوق الإسكان السعودي بفارغ الصبر - مشترين وبائعين ومطورين وممولين – صدور قانون التمويل العقاري، فالطلب على امتلاك المنازل في أوساط الطبقة الاجتماعية المتوسطة في تزايد مستمر، فيما يكافح المطورون من أجل الحفاظ على منسوب العرض من الوحدات السكنية، وتشير التقديرات المتحفظة إلى أنه ستكون هناك حاجة لنحو 150 ألف مسكن جديد سنويا في جميع أنحاء المملكة على مدى السنوات العشر المقبلة.
ولا شك في أن إقرار قانون التمويل العقاري يعد بالنسبة لأي دولة خطوة مهمة في اتجاه تملك المنازل على نطاق واسع، وبالنسبة للمملكة، فإن سن قانون التمويل العقاري لن يكون العصا السحرية التي تحوّل المستأجرين إلى مالكين للمنازل بين عشية وضحاها، وكي يحقق قانون التمويل العقاري هدفه الطويل المدى المتمثل في زيادة امتلاك المنازل في المملكة، لا بد من توفر أمرين أساسيين، أولا: دعم قانون التمويل العقاري بلوائح تنفيذية فاعلة، وثانيا أن يستطيع المطورون تحديد ربحية بناء المنازل لمشتري المساكن من الطبقة المتوسطة، وقد اختارت المملكة، عقب الأزمة المالية العالمية، الوقت المناسب تماما لبدء السير في هذا الاتجاه إذ إن لديها الفرصة للاستفادة من التجارب السابقة لدى البلدان الأخرى وتجنب الأخطاء التي ارتكبت في تلك البلدان.
أهمية اللوائح التنفيذية السليمة
سوف يتضمن قانون التمويل العقاري السعودي عند سنه خمسة أقسام رئيسية:
أولها: نظام التمويل العقاري العام الذي سيحتوي على المبادئ والأسس العامة للقانون والهيئات التنظيمية المسؤولة عن تطبيقه.
ثانيا: نظام مراقبة شركات التمويل العقاري الذي سيحكم حقوق شركات التمويل العقاري, وما المطلوب من هذه الشركات بالنسبة لتسجيلها وأنشطتها.
ثالثا: نظام الرهن العقاري المسجل الذي يحدد شروط تسجيل الرهن العقاري وأثره في الراهن والمرهون له (المستفيد من الرهن).
رابعا: نظام التنفيذ، وهو صلاحية الممولين بشأن تنفيذ الحجز على الرهن العقاري. وأخيرا القسم الخامس وهو نظام التأجير التمويلي الذي يحدد شروط عقد الإيجار المنتهي بالتمليك (الإجارة والاقتناء) بين العميل والممول.
إن فاعلية اللوائح التنفيذية الداعمة لقانون التمويل العقاري في إدارة هذا التشريع وتطبيقه ستكون المقياس الرئيسي لنجاح قانون التمويل العقاري، وتشير الدلائل إلى أن مؤسسة النقد العربي السعودي (ساما) ستكون مسؤولة عن وضع اللوائح التنفيذية التي ستدعم قانون التمويل العقاري عند صدوره، بينما ستشكل اللوائح التنفيذية العنصر الرئيسي الذي سينقل التشريع الجديد من فكرة نظرية إلى التطبيق العملي. وفي حالة إقرار قانون التمويل العقاري السعودي، سوف تعمل اللوائح التنفيذية على توجيه جميع الأطراف ذات الصلة – من محاكم ووزارات وممولين ومشترين وبائعين– بشأن الإجراءات والأسس التي يجب اتباعها لضمان الامتثال لقانون التمويل العقاري.
ويمكن تمييز الفرق بين القانون واللوائح التنفيذية من خلال بعض الأمثلة. فمثلا، من المتوقع أن تكون القدرة على احتجاز الأصول العقارية المتعثرة وحيازتها الهدف الرئيسي لنظام التنفيذ، أما اللوائح التنفيذية التي تدعم قانون التمويل العقاري، فسوف تحدد الإجراءات والأوراق والجداول الزمنية والمبادئ التوجيهية التي يتعين على الممول اتباعها من أجل تطبيق عملية حجز الرهن العقاري، وفي الوقت ذاته يجب أن توفر اللوائح التنفيذية الحماية للمستهلك لضمان تعامل الأطراف المتعثرة وفق إجراءات قانونية عادلة ولا يقع عليها أي ظلم في عملية الإنفاذ، وسوف تحدد اللوائح التنفيذية كيف ومتى وأين يتعين على كل طرف التصرف في كل مرحلة من مراحل العملية وأين يستأنف إذا ما تعرض لأي مظلمة.
وثمة مثال آخر وهو تسجيل الرهن العقاري، حيث سيكون من بين أنواع الحماية الأساسية التي يتيحها قانون التمويل العقاري للممولين القدرة على حماية استثماراتهم من خلال تسجيل عقود التمويل العقاري، وسوف ينص نظام الرهن العقاري المسجل على أن الرهن العقاري لن يكون ملزما إلا إذا كان مسجلا حسب الأصول، بينما ستحدد اللائحة التنفيذية الداعمة له متى وأين وكيف وبأي شكل يتم تسجيل وثائق الرهن العقاري.
وتعد اللوائح التنفيذية عنصرا أساسيا لقانون التمويل العقاري إذ إن الإفراط في فرض الأنظمة المتشددة من خلال الرقابة الصارمة والمعايير غير العملية والمتطلبات الإجرائية المتذبذبة ربما يكبل هذه الصناعة، وفي الوقت ذاته يمكن للمعايير التنظيمية المتراخية أن تؤدي إلى عدم استقرار سوق العقارات وعدم تحقيق النتائج الاقتصادية المنشودة على المدى البعيد، وهكذا، فإن تشريع لوائح تنظيمية متوازنة تراعي الاحتياجات التجارية للممولين وتحمي المستهلكين من سوء الاستغلال من شأنه أن يمكن صانعي السياسة من توجيه قطاع التمويل العقاري إلى طريق النجاح للسنوات المقبلة.
#2#
سد الفجوة بين العرض والطلب
لزيادة نسبة ملكية المنازل السكنية في السعودية يجب إتاحة المساكن بأسعار معقولة للطبقة ذات الدخل المتوسط والمنخفض. وقد تركز اهتمام المطورين حتى الآن على بناء المنازل التي تلبي احتياجات الطبقة العليا من مشتري المساكن القادرين على شراء المنازل نقدا, وذلك لأن البنوك تتحفظ كثيرا في توفير التمويل العقاري. فالقروض العقارية لا تشكل حاليا سوى 1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في السعودية و2 في المائة فقط من أصول البنوك. ولذا، فقد أحجم المطورون عن بناء المنازل التي تلبي احتياجات المستهلكين الذين لا يستطيعون شراء المنازل نقدا، وتؤكد دراسة حديثة نشرها البنك السعودي الفرنسي تحفظ البنوك إزاء دخول سوق تمويل المنازل، وبحسب هذه الدراسة، فإن إقبال البنوك على اقتناء أصول التمويل العقاري سيكون محدودا وسوف تتأنى البنوك كثيرا في دخول السوق حتى بعد إقرار قانون التمويل العقاري.
إن حقيقة تردد البنوك في توفير التمويل على نطاق واسع للعقارات السكنية لا تقتصر على المملكة وحدها، ولأن البنوك مؤتمنة على أموال المودعين، فإن شروط اتفاق (بازل) الثاني المتعارف عليه دوليا يقضي بتوزيع محفظة أصول البنك على فئات مختلفة من الأصول من أجل تنويع الخطر الائتماني، ولذلك يتعين على البنوك تجنب الإفراط في التركيز على فئة واحدة من الأصول، وتعد استراتيجية الحكومة الهادفة إلى تشجيع إنشاء شركات متخصصة للتمويل العقاري، ومن ثم إيجاد مركز سيولة لتمويل القروض العقارية، من التطورات الإيجابية لصناعة التمويل العقاري لمشتري المنازل السعوديين من الطبقة المتوسطة.
ويعد وجود شركات متخصصة للتمويل العقاري في أي سوق عاملا أساسيا لتحفيز امتلاك المنازل. فخلافا للبنوك التي تقدم منتجات إقراض متعددة تعتمد أساسا على علاقة إيداع مع المستهلك وتواجه قيودا تحد من زيادة تعرضها للخطر الائتماني المرتبط بالعقارات، فإن شركات التمويل العقاري المتخصصة تعتمد استراتيجية أكثر تركيزا وتهدف إلى جمع مشتري المساكن والمطورين. ولكون شركات التمويل العقاري متخصصة في العقارات والتمويل فإنها تركز على هدف تجاري واحد يتضمن العمل مع المطورين وتثقيفهم حول قاعدة عملائها المعتمدين مسبقا من مشتري المساكن في السوق المتوسطة. ونظرا لتركيزها المتخصص، فإن شركات التمويل العقاري ستصبح همزة الوصل الأهم التي تربط بين المشترين المحتملين والمطورين. وعلاوة على ذلك، فإن قرارات الاكتتاب من جانب شركات التمويل العقاري في القروض السكنية تعتمد على وضع نسبة صحية بين الدخل الشهري والتزامات التمويل العقاري الشهرية، علما أن قرارات الاكتتاب لا تتأثر باحتمال إنشاء حساب مصرفي من أجل الحصول على الودائع من خلال الراتب الشهري. وحالما يصبح المطورون قادرين على الاعتماد على القوة الشرائية التي توجدها شركات التمويل العقاري للمشاركين في السوق المتوسطة، سوف يقومون ببناء مزيد من المنازل ذات الأسعار المعقولة بالنسبة لمشتري المنازل السعوديين ذوي الدخل المتوسط.
الاستفادة من التجارب السابقة
أبدى بعض النقاد مخاوف بشأن تأثير تنامي التمويل العقاري على المملكة, مشيرين إلى حالتي فشل ملحوظتين لأنظمة الرهن العقاري، إحداهما في الولايات المتحدة والأخرى في دبي. ويجب ألا يكون نظام التمويل العقاري السعودي مضاهيا لأنظمة الدول الأخرى. بل يمكن للمملكة أن تستفيد من التحليل الموضوعي الهادف لتجارب الأسواق الأخرى من أجل إنشاء نظام تمويل عقاري مناسب لها.
وعلى سبيل المثال، في حالة دبي، فشلت الحكومة في إنشاء إطار تنظيمي فاعل لأن أهدافه السكنية لم تكن واضحة منذ البداية. وقد اختلف صانعو السياسة بشأن ما إذا كان هدفهم هو تشجيع ملكية المنازل أم إنشاء صناعة استثمار عقاري. وقد أدى السماح للمضاربين من قبل السلطات بشراء العقارات في وقت مبكر جدا (أي «خارج المخطط») والسماح كذلك بإعادة بيعها دون أي شرط للاقتناء إلى نشوء فقاعة عملاقة انهارت في النهاية تحت ضغط الديون المتراكمة.
أما في السعودية، فلا بد من أن تعمل الحكومة بطريقة منهجية وبوضوح بحيث تكون سياساتها مشجعة لتملك المنازل أولا. وهذا يعني أن اللوائح التنفيذية يجب أن تغطي مجموعة متنوعة من المعايير بما فيها الغرض من الشراء وتقييد عملية إعادة البيع وحدود التمويل بالنسبة للعقارات الاستثمارية.
ويمكن أن تكون الدروس المستفادة من أزمة الرهن العقاري الأمريكية مفيدة في منع وقوع نتيجة مشابهة في المملكة، ومن أهم العبر المستفادة من هذه التجربة أن على صانعي السياسة ألا يسمحوا بأن يؤدي هدف تشجيع تملك المنازل إلى تقويض اللوائح أو الأنظمة التي تدعم الاكتتاب الحكيم والمدروس، ففي الولايات المتحدة طغى هدف السياسة العامة الرامي إلى تشجيع تملك المنازل في نهاية الأمر على أهمية التمسك بممارسات الاكتتاب السليمة، فقد ركز المشرعون بشدة على زيادة تملك المنازل بينما فشلوا في إيجاد أنظمة من شأنها ضبط ممارسات الإقراض المحفوفة بالمخاطر من جانب الممولين التي أنهكت العملاء الذين لم يفهموا تأثير تملك المنازل في تمويلاتهم. وقد سمح هذا الخطأ في النهاية للقروض العقارية الخطرة بالانتشار واكتساب الشرعية في أوساط المستثمرين. وعندما بدأت المقومات الأساسية للسوق العقارية في التغير، لم يستطع المقترضون العقاريون الوفاء بالتزاماتهم وأعقب ذلك حالات تقصير في أعداد هائلة. لكن المملكة تستطيع تفادي هذه السلسلة من الأحداث من خلال اعتماد أنظمة تشدد على القدرة على تحمل التكلفة كمعيار رئيسي لتحديد أهلية الحصول على التمويل السكني، وإضافة إلى ذلك، يجب على المنظمين البقاء في حالة دائمة من الاحتراس واليقظة لضمان عدم انهيار معايير الاكتتاب مع الوقت.
توفر صناعتا العقارات والتمويل العقاري في المملكة فرصا تجارية هائلة، وكي تتمكن هاتين الصناعتان الناشئتان من ترجمة نجاحهما إلى زيادة في تملك المنازل في جميع أنحاء البلاد، يجب إدارة قانون التمويل العقاري ولوائحه التنفيذية بشكل فاعل. وكنقطة بداية، يجب على الجهات الرئيسية المعنية بصناعة الرهن العقاري - مؤسسة النقد العربي السعودي والوزارات الحكومية والمحاكم والمؤسسات المالية – أن تبقي على التواصل الفاعل فيما بينها وأن تعمل معا من أجل وضع السياسات والإجراءات المكملة لأهداف قانون التمويل العقاري وتعزيز الشفافية على مستوى الصناعة ككل.
يجب على شركات التمويل العقاري أن تدعم تطور السوق من خلال تقديم الحلول المتخصصة لتمويل المساكن التي من شأنها أن تسهم في سد الفجوة بين مشتري المساكن في السوق المتوسطة والمطورين.