الكفالة سبب البطالة الأول

لا يمكننا أن نحارب البطالة وأن نوطن الوظائف وفي الوقت نفسه نتعامى عن الميزات النسبية لتوظيف اليد العاملة غير السعودية. من أين أتت هذه الميزات؟ من أنظمة الإقامة والاستقدام، القائمة على مبدأ الكفالة الخاصة. تغيير ثقافة الكفالة شرط من شروط نجاح توطين الوظائف وتقليل الاستقدام.
عندما يدفع الواحد منا دراهم للحصول على سلعة أو خدمة فإننا نسعى إلى الحصول على أعلى منفعة مقابل الدراهم التي ندفعها. لأن الناس تهمهم مصالحهم الذاتية قبل مصالح غيرهم. وهذا سلوك بشري بدهي ينطبق بالتأكيد على التوظيف.
لا شك أن نظام الإقامة يفرض تبعات وواجبات وقيودا على الوافد، تجعل توظيفه مغريا أكثر من توظيف السعودي إذا تساوت الكفاءة والقدرة عند التوظيف. وبعبارة أخرى، تكلفة الوافد أقل (عادة) على صاحب العمل، في حال تساوي القدرات والمهارات. ولولا ذلك لما رأينا قوة الطلب على الاستقدام. وكلما تدنى مستوى الوافد مهنيا وقلت مهاراته، انخفضت تكلفته مقارنة بالسعودي. طبعا هذه هي الصورة العامة، وليس بالضرورة أنها تنطبق على كل فرد وكل حالة.
ليس من المبالغة أن نقول إن أنظمة الإقامة والاستقدام الحالية صنعت أوضاعا. أعطت أصحاب العمل سلطة واسعة على العاملين غير السعوديين، وفرصة قوية لاستغلالهم، وهو وضع لا يملكون مثله أو حتى قريبا منه مع السعوديين.
وكان لتلك الأنظمة دور كبير في تهيئة الظروف للوضع الحالي في نمط وأوصاف بيئة العمل في بلادنا. وهي بيئة لا تسمح بها تشريعات أكثر الدول. وجلبت في ظل هذه الأنظمة عمالة متدنية المهارة. وقد بينت دراسات أن هذا التدني تسبب في انخفاض نمو الناتج المحلي الإجمالي. وتثبت التحليلات الاقتصادية وجود علاقة تأثير طردية بين مستوى مهارات القوى العاملة ونمو الاقتصاد وتطوره.
ونمت في ظل تلك الأنظمة ممارسات التستر والتوسع في الاستقدام والتكسب الريعي. ودفعت (بطريقة غير مباشرة) أبناء وبنات الوطن إلى الترفع عن أداء كثير من الأعمال البسيطة، التي يؤديها أبناء الدول الأخرى، حتى ولو كانت غنية متطورة اقتصاديا كالدول الغربية. بل تطرفنا في الكسل، والأمثلة كثيرة. خذوا (مثلا) عمالة حمل الحقائب في المطارات. هل ترونهم في المجتمعات الأخرى (غير الخليجية)؟ لا، ولو كانت أكثر ثراء كالدول الصناعية.
بل لم نستفد من دعم مشاريع لتوظيف السعوديين (كما يقدم مثلا بنك التسليف)، لأن المشروع المدعوم تحول إلى أداة لإيجاد وظائف لغير السعوديين. ولم لا وهم متوافرون. والجميع يعرف أن نظام الكفالة يحفز على استقدام عمالة تعمل شكلا عند صاحب العمل، ولكنها حقيقة تعمل عند الغير. ومن الصعب الالتزام بشرط ألا يعمل الوافد إلا عند صاحب العمل، في المؤسسات والأعمال الصغيرة والمنازل خاصة، ولدى الناس ألف طريقة وطريقة للتحايل على القانون.
هذه الأوضاع وما صنعته من اتكالية مفرطة على غير النشأة بوضوح إثر طفرة السبعينيات، وكانت الآلية فكرة الكفالة. استشرى الاعتماد على الغير، وتكيفت أساليب الحياة متأثرة بالظروف التي أسهم في جلبها نظام الإقامة، كتأخر إغلاق المحال إلى ساعة متأخرة من الليل.
لم تكن هذه أول مرة في اعتمادنا المفرط على الغير، فقد تعرض لها أجدادنا (مع الفارق طبعا) عندما فتحت عليهم خزائن الأرض إثر الفتوحات الإسلامية. أورد صحيح البخاري قصة قتل عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ في كتاب فضائل الصحابة.
مما جاء في صحيح البخاري: ''.. قال (عمر) يا ابن عباس انظر من قتلني فجال ساعة ثم جاء فقال: غلام المغيرة قال: الصنع (أي الذي يمتهن صناعة الأشياء بيديه) قال نعم قال قاتله الله لقد أمرت به معروفا الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل يدعي الإسلام قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج في المدينة، وكان العباس أكثرهم رقيقا فقال إن شئت فعلت أي إن شئت قتلنا قال كذبت بعد ما تكلموا بلسانكم وصلوا قبلتكم وحجوا حجكم...''.
يظن البعض أن المطالبة بإلغاء نظام الكفالة من صنع منظمات حقوق الإنسان، أو تبرره هذه الحقوق فقط. والأمر ليس كذلك، بل هناك سبب آخر لا يقل أهمية: توظيف المواطنين. لقد أخضعت الظروف التي يصنعها نظام الكفالة للتحليل الاقتصادي، والذي بين أنه ضد توطين الوظائف.
التحليل الاقتصادي لسوق العمل يبين أنه يجب أن يرتكز توطين الوظائف في القطاع الخاص (وخاصة في المنشآت الصغيرة والمتوسطة) على حلول هيكلية طويلة الأمد ترتكز على نظام أجور يستند في المقام الأول على السوق market-based wage system، وليس على تجزئة سوق العمل حسب القطاع (حكومي وخاص) أو حسب الجنسية (نظام الإقامة). وهذا يعني تقليص الفجوة مع الوقت بين اليد العاملة الوطنية وغير الوطنية في الحقوق والواجبات المتعلقة بالعمل، وأهمها حرية الانتقال من عمل إلى عمل المسماة في تحليل اقتصاد العمل labor mobility.
وفي هذا، ينبغي أن تتوازن وتتسق السياسات المرحلية كسياسات الحد من الاستقدام وخاصة ذات المهارات المتدنية والمتوسطة مع هدف التحول إلى نظام أجور قائم على السوق، وإلا لن تنجح سياسات الحد من الاستقدام.
سوق العمل (الحكومي والخاص) في الدول الصناعية أو المتطورة اقتصاديا قائم على قوانين تستند إلى السوق. ولم توضع هذه القوانين عبثا، لأن التحليل الاقتصادي يؤكد أن مرونة سوق العمل شرط لحماية اليد العاملة الوطنية وشرط لتحسين أدائها. وهناك ما يشبه الإجماع (في التحليل الاقتصادي لسوق العمل) على انتقاد وجود ازدواجية أو تجزئة في سوق العمل labor market segmentation. وقد كتبت في هذه الموضوعات مئات البحوث والدراسات النظرية والتطبيقية. وحتى لا يساء الفهم، لا ينكر أن هناك قدرا من تأثير القطاع والجنسية على الأجور، ولكن هذا التأثير ينبغي أن يكون ثانويا مقارنا بتأثير السوق.
التحول إلى نظام أجري سوقي لليد العاملة شرط لنجاح الحد من الاستقدام، والحد من الاستقدام شرط لنجاح الحد من البطالة. ولكن التحول إلى نظام أجري سوقي لليد العاملة غير عملي إذا أبقينا (في الوقت نفسه) على نظام الكفالة.
وهذه عناوين مقترحة في إصلاح الوضع:
- الاستقدام عن طريق هيئة مسؤولة عن الاستقدام وشؤون الوافدين، تمثل عدة جهات، ويوقف العمل نهائيا بأسلوب إعطاء تأشيرات مباشرة للمنشآت.
- تحديد عدد كلي للتأشيرات الممنوحة سنويا.
- حرية الانتقال لعمل آخر labor mobility للوافدين.
- قفل باب إعطاء تأشيرات جديدة للعمالة المتدنية المهارة، إلا في حالات نادرة.
- تأشيرات محددة مسبقا في مدة البقاء والعمل، مع منح إقامة دائمة في حالات.
من المؤكد أن تطبيق الترتيبات السابقة يتطلب مناقشات تفصيلية. والعمل بها سيرفع مستوى الأجور في المملكة، وسيزيد نسبة مساهمتها في الناتج المحلي، وهو أمر مطلوب. وستصحب التطبيق آثار جانبية وتكاليف على المدى المتوسط، ولكن كما يقول المثل ''مكره أخاك لا بطل''. علينا الاختيار بين اثنين: تحمل هذه التكاليف والمضار على المدى المتوسط أو بطالة عالية باستمرار. وبالله التوفيق،،،

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي