الطاقة الإدارية متطلب للطاقة النووية

 لا شك أن إنشاء مدينة الملك عبد الله للطاقة النووية والبديلة تعكس جهود الملك عبد الله الإصلاحية التنموية ضمن رؤية شاملة ومنظومة متكاملة من المشاريع التي تغذي بعضها بعضا. الإرادة الملكية هي في حقيقتها السعي الحثيث في نقل السعودية إلى مرحلة متقدمة من التحضر والقدرة التنافسية وتهيئة الفرصة لتحريك الموارد, خاصة البشرية, لتكون عاملا إيجابيا ودافعا نحو تحقيق الأهداف التنموية الاستراتيجية. لقد عمل الملك عبد الله على صياغة المستقبل ورسم ملامحه عبر تجميع الأجزاء المتناثرة للتنمية وسد النقص وترتيب الأولويات والتركيز على المشاريع المفصلية في تحقيق تنمية مستدامة. الملك, كما عودنا, ينطلق من رؤية عملية تطبيقية وأهداف استراتيجية واضحة توحد الجهود وتعود بالنفع على الوطن والمواطنين. سيكون مشروع الطاقة النووية ـ بإذن الله ـ تكملة لعقد المشاريع الكبيرة التكاملية التي شهدتها السعودية في الآونة الأخيرة، فمن المدن الاقتصادية إلى البعثات الخارجية وزيادة أعداد الجامعات إلى تطوير نظام القضاء وغيرها من المشاريع المهمة والأساسية التي لا يتسع المجال لذكرها. ولذا ربما كانت الطاقة النووية فتحا ومنطلقا لإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني وتوجيهه نحو الصناعات التحويلية والتقنية العالية ليكون أكثر قدرة على تحريك الموارد واستخدامها استخداما كفؤا وفاعلا.
وعلى أن هناك روحا جديدة مفعمة بالتفاؤل نحو التطوير والإصلاح والبحث عن حلول ناجعة للقضايا الاقتصادية والاجتماعية ودعما حكوميا سخيا ورؤية واضحة لما ينبغي عمله في المدى القصير، إلا أن البيروقراطيات العامة المسؤولة عن تنفيذ هذه المشاريع وتحويلها إلى واقع ملموس مثقلة بالإجراءات الورقية لا تقوى على الحركة ولا مسايرة هذا التوجه الإصلاحي. والخشية أن هذه المشاريع العظيمة بأفكارها الإبداعية ومقاصدها العالية تقف عند حد الأمنيات والتطلعات والخطط الورقية أو لربما استغرقت زمنا طويلا لتنفيذها لتنتهي صلاحياتها وهي لم تبدأ بعد. هذه المشاريع يفترض ألا يقتصر النظر إليها من زاوية العائد الاقتصادي وحسب, لكنها مشاريع تتعلق بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بالأمن الوطني والضبط الاجتماعي والاستحقاقات المستقبلية والإعداد لمرحلة ما بعد النفط. لذا من الضروري أن يتم تنفيذها على وجه السرعة والدقة والجدية وإدراك سلبيات التأخر في تنفيذها. إن تعثر إنشاء هذه المشاريع الحيوية وتأخر تنفيذها له تبعات سلبية وخطيرة على المجتمع، إذ إنها تخلق نوعا من الإحباط لدى العموم وتفقدهم الثقة وبالتالي عدم المشاركة في جهود التنمية بعدما انتشت آمالهم وارتقت تطلعاتهم وارتفعت توقعاتهم حين الإعلان عنها. لا يمكن أن يستهوينا الحاضر على حساب المستقبل, ولا أن تكون نظرتنا قصيرة المدى لا تتعدى السنوات الخمس, ولا يكفي أن نفكر في الجيل القادم وإنما الأجيال القادمة, فبناء الأمم يأخذ وقتا طويلا. الأمم الأكثر إعدادا وقدرة على التكيف, بل التأثير في مجريات الأمور تكون أكثر نجاحا وقوة واستمرارا. لذا من حق الأجيال القادمة علينا أن نهيئ لها الفرصة للنجاح وإكمال المسيرة التنموية وضمان استمرار أمنها وأمانها وتعزيز اللحمة الوطنية، وهذا يتطلب أن تكون هناك استراتيجية وطنية لـ 30 أو حتى لـ 50 سنة المقبلة, وأن يكون جميع هذه المشاريع تنفذ من خلالها وفي إطارها ليتحقق التنسيق والتكامل فيما بينها وتكون بمثابة خطة الطريق لهذا الجيل والأجيال القادمة. وهذا يستدعي أجهزة وبيئة إدارية حكومية ذات كفاءة وفاعلية تكون جسرا تعبر فوقه هذه المشاريع التنموية.
الحديث هنا عن صناعة المستقبل الذي يبدأ من هذه اللحظة ولا يحتمل التأخير لأنه يتطلب وقتا طويلا وعملا تراكميا وإعدادا مسبقا، وإلا فاتت الفرصة وخسرنا كسب الوقت، العنصر الوحيد الذي لا يمكن استرجاعه ولا إيقافه ولا استبداله. المبادرة في استغلاله بكفاءة وفاعلية هو في الحقيقة ما يصنع الفرق بين الدول المتقدمة والدول النامية, وهو التحدي الأكبر الذي يواجه جميع الأمم في قراراتها المصيرية المستقبلية. هناك ضرورة في النظر للأفق البعيد والتنبؤ بالمستقبل حتى إن بدا أكثر صعوبة وتعقيدا في ظل المتغيرات وتسارع وقعها عما مضى. يمكن التغلب على ذلك بوضع رؤية استراتيجية لما نرغب أن يكون عليه مستقبلنا من خلال تصورات وبدائل متعددة ومن ثم العمل على تحقيقها من الآن! هناك سباق محموم بين الأمم في كسب قصب السبق في التقدم الصناعي والاقتصادي وتحقيق مراكز متقدمة في المنافسة العالمية، فكل دولة تحاول جاهدة أن تستحوذ على النصيب الأكبر من الاقتصاد العالمي بتطوير ذاتها والتميز عن الآخرين والوصول أولا حيث لم يصل الآخرون, وتحقيق ما لا يستطيعونه. كثير من الدول النامية خاصة تلك التي تولد لديها رغبة جامحة نحو الانفكاك من التخلف والانطلاق إلى مستويات أعلى من التقدم الاقتصادي وتتطلع إلى مكانة مرموقة بين الأمم أدركت أهمية الوقت وصناعة المستقبل ليس بالتمني وإنما أخذها غلابا عبر أجهزة حكومية قادرة على ذلك. هذه الدول رسمت خطا زمنيا لتسير عليه فوضعت لنفسها استراتيجية وطنية طويلة المدى وقامت على تنفيذها بالتزام تام لا هوادة فيه حسب مسؤوليات وأدوار ومهام وأهداف محددة لجميع مكونات المجتمع سواء كانت مؤسسات أو أفرادا. إن ذلك يستدعي بالضرورة قياس الأداء بشكل دوري والتعرف على مستوى الإنجاز ومواطن القوة والضعف والإيجابيات والسلبيات بشفافية متناهية والعمل على زيادة فرص النجاح والتقليل من تلك العوامل المثبطة التي تعوق تحقيق الأهداف الوطنية. المهم ليس فقط العمل بجد واجتهاد, لكن الأهم العمل في الاتجاه الصحيح وبالطريقة الصحيحة، وأخشى أنه في غمار الرغبة الجامحة نحو ارتقاء السلم دون استراتيجية وطنية شاملة بعيدة المدى ونظام فاعل وكفؤ للإدارة العامة يفوت علينا أن نضعه على الحائط الصحيح ومن ثم نكون قد وصلنا, لكن إلى المكان الخطأ! إن ما يعوق التنمية الوطنية هي المركزية والبيروقراطية الشديدة، فالعمل الحكومي حسب قطاعات منفصلة لا يحقق النظرة الشمولية ولا يوحد الجهود ويحقق التكامل المطلوب، كما أنه يسهم في عدم تطبيق الأنظمة بمهنية وقناعة من قبل المؤسسات والأفراد وعدم ربطها بالمقاصد الوطنية العليا.
إن النهج الإصلاحي الذي يقوده الملك عبد الله وما يحتويه من مشاريع تنموية عملاقة يتطلب تطوير نظام الإدارة الحكومية بحيث تكون هناك رقابة اجتماعية على البيروقراطيات عبر مجالس نيابية تشريعية على المستوى الوطني والمناطق والمدن قادرة على صياغة وتطبيق القوانين والتشريعات بما ينسجم مع تطلعات السكان ويضمن تحقيق الأهداف الاستراتيجية، هكذا يمكن تفعيل المجتمع على جميع الصعد وتحريك طاقاته, خاصة البشرية, التي هي أساس كل الطاقات ومتطلب الانطلاق نحو آفاق أوسع من التنمية الحقيقية الشاملة، التنمية التي يسعى إليها الملك عبد الله ويرغب من الجميع العمل من أجلها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي