رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


قف واقرأ تقرير المراجع قبل اتخاذ قرارك

إلى أولئك الذين لا يعرفون كثيرا عن مهنة المراجعة، فإن لهذه المهنة عراقة تاريخية تصل حتى العهد البابلي, وخلال هذا العمر المديد طورت المهنة طقوسها، ولعل معايير المراجعة التي اتفق عليها المراجعون وأقرتها الهيئات المهنية من أهم الأدوات التي وثقت تلك الطقوس وما يجب على المراجع اعتباره والعمل وفقا له حتى يعد مراجعا معترفا به في هذه المهنة العريقة. فمن الاستقلال صاحب القداسة مرورا بالتوثيق وفقا لأصوله المرعية حتى التقرير بِصِيَغِهِ الشرعية فلا مجال لأي مراجع للاجتهاد سواء عن قصد أو دون قصد, وعند الاختلاف تقول الهيئات المهنية بالرأي الفصل. هذا الالتزام الصارم هو الذي صنع لهذه المهنة أهميتها سواء العلمية أو الاقتصادية, وهو الضامن - بعد الله - لبقائها في المستقبل. وإذ لم تجد هذه الأهمية صداها الإعلامي في المملكة في فترات سابقة فإن ظهور السوق المالية وتطورها السريع, وكذلك متطلبات هيئة السوق المالية, فرضت لهذه المهنة حضورها الإعلامي المتميز, الذي لم تكن تسعى إليه بذاتها وفقا لمبدأ الاستقلال شديد الصرامة في المملكة.
على أنه يجب على أبناء المهنة في هذا الجيل أن يقروا بالاعتراف والشكر إلى أولئك الذين عملوا بجد لتطوير هذه المهنة وصناعتها في وقت لم يكن أحد يهتم كثيرا - إعلاميا على الأقل - بما يقوله المراجع أو يقرره حتى سخر الله لهذه المهنة في هذه البلاد رجالا عرفوا أهميتها وخطورة الدور الذي تضطلع به فعملوا بجد للارتقاء بالمهنة وبلا حافز سواء مادي أو معنوي، ثم بفضل تلك الجهود - بعد فضل الله - ظهرت الهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين والاختبارات المهنية والمعايير المختلفة لتجد السوق المالية عند تطورها مهنة مراجعة متطورة ومراجعين مهنيين أكثر وعيا وأكثر تطورا. ولعل في الوضع الذي يعيشه بعض الدول العربية والخليجية التي لم تتطور فيها المهنة بعد رغم ظهور السوق المالية دليلا على صدق توجه أولئك الأفذاذ. ليس هذا المقال لمدحهم, وإن استحقوا ذلك, بل لتوضيح الخلفية وراء الاستجابة الإعلامية لتقارير المراجعين اليوم واهتمام الشركات بتوضيح رأي وتبرير ما جاء فيها, وهو الأمر الذي لم يكن ليحصل لولا تلك الجهود.
فقد أعلنت شركة الاتصالات المتنقلة السعودية ''زين'' خسائر عن الربع الأول من عام 2010, وبين العضو المنتدب للشركة أن سبب تقلص الخسائر مقارنة بفترات مالية سابقة يعود إلى استمرار وتيرة النمو في قاعدة العملاء التي سجلت قفزة بأكثر من 101 في المائة مقارنة بالربع المماثل من العام السابق، وإلى انخفاض التكلفة الإجمالية للإيرادات، وارتفاع حجم إجراء المكالمات، كما أشار إلى تحقيق الشركة النمو القوي في الإيرادات, وكل هذا وغيره كلام جميل ومشجع - بل مورط لشراء سهم الشركة - حتى جاء تقرير المراجع الذي لفت الانتباه إلى قضية بسيطة جدا في القوائم المالية. فقد لفت التقرير الانتباه ـ وفقا لإعلان الشركة ذاتها - إلى تجاوز المطلوبات المتداولة الموجودات المتداولة كما أن لدى الشركة خسائر متراكمة. وعلقت الشركة على هذا اللفت بأن الشركة - ''تعتقد'' - بأنها ستتمكن من الوفاء بالتزاماتها من خلال قيامها بعملياتها الاعتيادية. وبناء عليه، فلقد تم إعداد القوائم المالية الأولية المرفقة على أساس مبدأ الاستمرارية في النشاط.
الشركة في إعلانها الأول لم تشر إلى موضوع الاستمرارية, وأن هناك شكا في ذلك, لكن لأن المراجع أشار بمهنية عالية إلى موضوع تجاوز المطلوبات المتداولة الموجودات المتداولة, وهذا الأمر متزامن مع تراكم الخسائر فإن الشك في الاستمرارية بدأ يظهر – حتى إن لم يقل المراجع بذلك صراحة. ذلك أن تجاوز المطلوبات المتداولة للأصول المتداولة يعد من أهم مؤشرات السيولة لدى الشركة, وهذا يعني عدم قدرة الشركة على سداد التزاماتها قصيرة الأجل, ما يدخلها في متاهات العسر المالي, وربما تضطر إلى إعادة جدولة الديون أو رفع رأس المال مثلا أو بيع الأصول غير المتداولة و التخلص من بعض الاستثمارات وجميعها حلول مؤلمة لأي شركة, فضلا عن شركة لديها خسائر متراكمة ربما تربكها عند طلب قروض جديدة.
المراجع لم يقل شيئا عن تلك المشكلات ولا يحق له مثل هذا الرأي ولم يقل بعدم عدالة القوائم المالية, بل أكد ذلك لكن وفقا لما تقتضيه معايير العمل المهني في المملكة ما يقتضيه مفهوم المراجع الحريص كان يجب عليه أن يلفت انتباه مستخدم القوائم المالية إلى مسألة جوهرية تقبع في داخل القوائم وقد لا يعيرها القارئ اهتمامه المباشر. ذلك أن القارئ العادي أو المستثمر البسيط غير المؤسسي ينظر دائما إلى رقم صافي الأرباح وتعليقات إدارة الشركة, الذي يوحي بأن الأمور على ما يرام، فكان لفت الانتباه ضرورة كي يخبرنا المراجع الذي اطلع على تفاصيل القوائم بأن علينا الانتباه إلى مثل تلك النقطة عند اتخاذ قراراتنا الاستثمارية. تقرير المراجع يعد رسالة معيارية في صورتها العادية (غير المتحفظة), حيث يتكون من فقرتين معياريتين لهما حروف وكلمات معدودة ومقررة نظاما، فيكفي النظر في التقرير دون قراءته لنعرف رأي المراجع، فإذا ورد بشكله المعياري النظيف لم يكن لنا حاجة في قراءة تفاصيله فهي رسالة عامة تشير إلى عدم وجود ما يقلق، لكن إذا انحرف التقرير عن صورته المعيارية ووردت فيه فقرة إضافية، أي أصبح التقرير بثلاث فقرات بدلا من اثنتين، فكأن المراجع يريد أن يخبرنا بأمر مهم وعندئذ نقول ''قف واقرأ تقرير المراجع قبل اتخاذ قرارك''.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي