أسواق النفط في ظل تباين الانتعاش في اقتصاديات العالم الرئيسة
خلال الأشهر الماضية راوحت أسعار النفط الخام بين 70 دولارا و85 دولارا للبرميل الواحد، لكن الطلب على النفط لا يزال ضعيفا في معظم بلدان منظمة التعاون والتنمية OECD التي خرجت لتوها من كساد اقتصادي كبير. عام 2010 سيكون العام الأول لنمو الطلب العالمي على النفط منذ عام 2007، لذلك وتيرة وشكل الانتعاش الاقتصادي العالمي خلال العام الحالي ستكون أحد العوامل الرئيسة التي ستحدد قوة نمو الطلب على النفط ومستوى الأسعار على مدار السنة.
على الرغم من أن تداعيات الأزمة المالية ستظل محسوسة لبعض الوقت، إلا أن الاقتصاد العالمي بدأ بالتعافي، وإن كان بشكل غير متساو في جميع دول العالم. حيث من المتوقع أن تلعب الاقتصاديات الناشئة والنامية دورا كبيرا وحيويا في ذلك النمو في حين أن الاقتصاديات الصناعية في دول منظمة التعاون والتنمية ما زالت متخلفة. النمو في الناتج المحلي الإجمالي العالمي GDP من المتوقع الآن أن يتحول من سالب 1.0 في المائة عام 2009 إلى موجب 3.9 في المائة عام 2010، حسب إحصائيات صندوق النقد الدولي IMF. لكن هذا النمو المتوقع يقل بقليل عن المعدلات المسجلة قبل الأزمة الاقتصادية. المؤشرات الأخيرة في اقتصاديات العالم الرئيسة متباينة، ما يوحي بأنه سيكون هناك تفاوت في مستوى التعافي، حيث من المتوقع أن يكون التعافي متواضعا في الاقتصاديات المتقدمة وكبيرا في الاقتصاديات الناشئة, كما أسلفنا. والواقع أن جميع اقتصاديات منظمة التعاون والتنمية عاد الآن إلى النمو، لكن قوة الانتعاش الاقتصادي لا تزال متباينة فيما بينها. النمو الاقتصادي في الدول الأوروبية تعثر بعد نهاية الركود بفترة قصيرة، في حين أن اقتصاد الولايات المتحدة سجل نموا بنحو 5.7 في المائة بين الربع الرابع من العام الماضي والربع الأول من العام الحالي، مقابل أقل من 0.5 في المائة في أوروبا. خلال الربعين الثاني والثالث من المتوقع أن تستمر اقتصاديات أوروبا الغربية على مواصلة الطريق بحذر نحو الانتعاش، في حين من المتوقع أن يتباطأ النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة واليابان مقارنة بالطفرات التي شهدناها في الأشهر الأخيرة من العام الماضي. في آسيا أظهرت اليابان علامات على التعافي من خلال النمو الاقتصادي القوي منذ الربع الرابع من العام الماضي، أما في الصين فقد بدأت الحكومة الصينية باتخاذ إجراءات لإبطاء النمو الاقتصادي بعد زيادة الناتج المحلي الإجمالي أكثر من 10 في المائة في الربع الأخير من عام 2009، حيث أثارت هذه القفزة مخاوف بشأن حدوث فقاعات في الأصول. وقد كان لأداء الصين القوي تأثير هائل في جميع أنحاء المنطقة.
مخاوف السوق المالية من تباين الانتعاش في اقتصاديات العالم الرئيسة تدل على أن المخاطر الناجمة عن الوضع الاقتصادي الحالي لا تزال كبيرة. الحكومات تدرس حاليا كيفية وموعد استرجاع المحفزات المالية الضخمة التي ضختها في اقتصادياتها المتعثرة خلال الـ 18 شهرا الماضية. على الرغم من أن الانتعاش الاقتصادي جار بالفعل، إلا أنه لا يزال يعتمد بشكل كبير على الدعم الحكومي المتواصل. كما أن عدم التيقن المتزايد من الوضع المالي في منطقة اليورو، خاصة في اليونان، يلقي بظلاله على آفاق الانتعاش الاقتصادي في المنطقة. ونظرا لمشكلات الديون السيادية في منطقة اليورو وظروف الركود الاقتصادي، من المرجح أن تبقى أسعار الفائدة في أوروبا الغربية والولايات المتحدة عند مستويات منخفضة طوال العام الحالي.
في دول منظمة التعاون والتنمية في آسيا، تواجه اليابان ديونا سيادية تقدر بضعف إجمالي الناتج المحلى للبلاد, عليه معظم التوقعات بخصوص الاقتصاد الياباني لا تزال حذرة، حيث من المتوقع أن يزداد الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 1.3 في المائة فقط هذا العام، بعد هبوطه أكثر من 5.0 في المائة عام 2009.
أما في الاقتصاديات الناشئة والنامية يتوقع أن يبلغ نمو إجمالي الناتج المحلي أكثر من 5 في المائة تقريبا عام 2010، مقابل نحو 1.8 في المائة في 2009، يتحقق هذا الانتعاش الاقتصادي بقيادة الصين والهند وعدد من الاقتصاديات الآسيوية الأخرى. حيث إن النمو الاقتصادي يتسارع في الصين، من المتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي فيها من نحو8.1 في المائة في 2009 إلى أكثر من 9.3 في المائة عام 2010. الزخم القوي في الاقتصاد المحلي وانتعاش الصادرات مجددا سيدعم هذا المعدل من نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في الصين هذا العام. هذا وقد بدأ البنك المركزي الصيني تشديد السياسة النقدية في محاولة لكبح التضخم في أسعار الأصول، حيث من المتوقع أن تقوم الحكومة بسحب تدريجي للحوافز، لكن مع ضمان بقاء السيولة متوافرة.
من المتوقع أن تظل حركة أسواق النفط العالمية منسجمة مع وتيرة مسار الانتعاش الاقتصادي العالمي ونمو الطلب على النفط, حيث إن تحسن التوقعات في تعافي الاقتصاد العالمي ونمو الطلب العالمي على النفط كانت عاملا رئيسا وراء الارتفاع في أسعار النفط الخام.
تشير معظم توقعات المحللين إلى أن الطلب على النفط سينتعش من جديد عام 2010، لكن بصورة أقل عن المعدلات المسجلة قبل الأزمة الاقتصادية، حيث من المتوقع أن يصل إلى 85.2 مليون برميل يوميا، أي بمعدل نمو يقدر أقل من 1.0 مليون برميل يوميا عن عام 2009، لكن لا يزال هذا المستوى أقل من الطلب عام 2007 بنحو 0.8 مليون برميل يوميا. لكن النمو في الطلب على النفط لهذا العام متباين جغرافيا، حيث يعكس هذا التباين الاختلاف في سرعة الانتعاش في الاقتصاد بين الدول ـ كما أسلفنا.
أحدث البيانات بشأن الطلب العالمي على النفط لعام 2010 تشير إلى انتعاش وقوة الطلب على النفط في الدول الناشئة والنامية، لا سيما الصين والهند والشرق الأوسط. حيث إن سياسات التحفيز التي استهدفت قطاع السيارات، التي في معظمها على شكل محفزات قصيرة الأجل مثل خفض الضرائب والإعانات النقدية المباشرة لمشتري السيارات الجديدة، أدت إلى طفرة كبيرة في مبيعات السيارات. هذا النمو الهائل في أسطول المركبات وفر أساسا قويا لنمو الطلب على البنزين في الصين، هذا النمو سيؤدي إلى نمو إجمالي الطلب على النفط في الصين بحدود 0.4 مليون برميل يوميا في عام 2010. وينطبق الشيء نفسه على الهند، حيث ارتفعت مبيعات السيارات الشخصية بصورة كبيرة أيضا, وبالتالي استمر نمو الطلب على البنزين فيها. توقعات الطلب على النفط عام 2010 في الشرق الأوسط لا تزال قوية طالما الاقتصاد فيها مستمر في النمو. الأسعار المدعومة للوقود وارتفاع مستويات الدخل من المتوقع أيضا أن تدعم نمو الطلب على وقود النقل في جميع أنحاء المنطقة خلال عام 2010. حيث من المتوقع أن ينمو الطلب على النفط في هذه المنطقة بنحو 0.25 مليون برميل يوميا عام 2010. حيث سيعوض هذا النمو ضعف الطلب في الاقتصاديات الغربية.
في بلدان منظمة التعاون والتنمية من المتوقع أن ينخفض الطلب على النفط فيها بنحو 0.15 مليون برميل يوميا عام 2010، حيث إن الطلب في دول منظمة التعاون والتنمية في آسيا والمحيط الهادئ من المتوقع أن يسجل انخفاضا بنحو 0.14 مليون برميل يوميا عن مستويات 2009. ذلك لأن اليابان، التي تمثل ما يقرب من نصف الطلب في المنطقة، ستشهد انخفاضا في الطلب على النفط وللعام الخامس على التوالي. الطلب على النفط في دول الاتحاد الأوروبي من المتوقع أن ينخفض أيضا عام 2010 أكثر من 0.2 مليون برميل يوميا، بعد أن انخفض بنحو 0.8 مليون برميل يوميا عام 2009. مجموع الطلب على النفط في أمريكا الشمالية من المتوقع أن ينمو بنحو 0.2 مليون برميل يوميا أو أكثر بقليل عام 2010.
من جانب الإمدادات النفطية تواجه الصناعة النفطية فائضا كبيرا جدا في الطاقات الإنتاجية في جميع حلقات الصناعة النفطية: الاستخراجية، التحويلية، الخدمات، الأنابيب، الناقلات البحرية وغيرها. حيث إن الطاقات الإنتاجية الاحتياطية Spare Capacity في منظمة الأقطار المصدرة للنفط (أوبك) قد ارتفعت بصورة حادة جدا، في عام 2010 إلى أكثر من 6.0 ملايين برميل يوميا. الإمدادات النفطية من المنتجين من خارج منظمة الأقطار المصدرة للنفط من المتوقع أن تزداد أكثر من 0.4 مليون برميل يوميا عام 2010. إضافة إلى ذلك، إنتاج دول منظمة أوبك من سوائل الغاز الطبيعي والمكثفات النفطية والسوائل النفطية غير التقليدية من المتوقع أن ينمو أيضا بنحو 0.5 مليون برميل يوميا عام 2010. النمو المتوقع في 2010 في إنتاج الدول من خارج ''أوبك'' وإنتاج دول منظمة أوبك من السوائل النفطية عدا النفط الخام سيغطي تقريبا جميع النمو المتوقع في الطلب العالمي على النفط للعام الحالي.إن هذه الصورة من العرض والطلب من المتوقع أن تؤدي إلى خفض متواضع جدا في المخزون الكلي للمنتجات والنفط الخام في عام 2010، وهذا يمثل عامل ضغط على أسعار النفط. لكن تجاوز أسعار النفط عتبة 80 دولارا للبرميل يعكس تحسن توقعات الانتعاش الاقتصادي العالمي وارتفاع استهلاك النفط في موازنة المخاوف من الارتفاع الحالي في مستوى مخزون النفط.
حيث يتوقع معظم المحللين الآن أن يبلغ متوسط سعر خام تكساس الوسيط أكثر من 75 دولارا للبرميل عام 2010. هذا التوقع إضافة إلى تحسن توقعات الاقتصاد والطلب، مدعوم بارتفاع تكاليف مشاريع النفط, خصوصا المشاريع الهامشية الأكثر تكلفة marginal cost projects، وضعت أرضية لأسعار النفط. هبوط الأسعار دونها سيخل بالتوازن بين العرض والطلب لمصلحة الطلب وتعود الأسعار إلى الارتفاع من جديد.