الحاجة إلى مزيد من المعلومات عن البطالة
شهدت المملكة ولفترة طويلة من الزمن حساسية مبالغا فيها عند التطرق أو الحديث عن البطالة. وحتى في وقت من الأوقات أنكر وجود ظاهرة البطالة في المملكة. ومع أن البطالة ظاهرة طبيعية وموجودة في أي سوق عمل في العالم، إلا أن مستوياتها تعكس فاعلية السياسات الحكومية وكذلك تصرفات المؤسسات الخاصة والعاملين والتغيرات الهيكلية السريعة التي تمر بها اقتصاديات العالم. وهناك مستويات مقبولة من البطالة أو ما يسمى البطالة الطبيعية أو البطالة التي لا تنشأ بسبب السياسات الاقتصادية. ومع وجود تقدم كبير في نظرة المسؤولين إلى البطالة وتوفر بيانات حولها تصدرها مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات، إلا أنه ما زالت هناك حاجة ملحة إلى مزيد من البيانات عن البطالة والعاطلين عن العمل.
ونظراً لأهمية توافر بيانات البطالة باستمرار وبسرعة تصدر دول العالم بيانات البطالة بتردد وبسرعة أكبر مما هو حاصل في المملكة. وتصدر كثير من الدول بيانات شهرية عن البطالة بل تدعم تلك البيانات ببعض البيانات الأسبوعية عن طلبات تلقي مخصصات البطالة التي تعطي صورة مبكرة لمعدلات البطالة الشهرية. وإصدار بيانات شهرية عن البطالة سيعطي الجهات الرسمية مؤشرات سريعة على تأثيرات السياسات الحكومية وقدرتها في التصدي للبطالة، والتي يمكن على أثرها إجراء تعديلات مناسبة وبسرعة أكبر للتعامل مع معضلة البطالة، بدلاً من الانتظار لمدة عام كامل والمفاجأة بنتائج عكس المأمول من هذه السياسات. وتتوافر في الوقت الحالي بيانات سنوية عن البطالة التي تأتي أحياناً بنتائج شبه مفاجئة، ففي عام 2009م مثلاً ارتفع حجم بطالة السعوديين بنحو 50 ألف شخص مقارنةً بالعام الذي قبله على الرغم من التوسع الكبير في الإنفاق الحكومي، وهذا يعني انخفاض فعالية رفع الإنفاق الحكومي في خفض معدلات البطالة. ويذهب كثير من الإنفاق الحكومي لمشاريع الإنشاءات التي توظف في الدرجة الأولى عمالة أجنبية. ويبرز هذا الحاجة إلى إعادة النظر في أنواع المشاريع والمناقصات الحكومية وأساليب تنفيذها وخصوصاً التي لا توظف عمالة سعودية وإعطاء أولوية للمشاريع التي توظف أعداد متزايدة من السعوديين. ويمكن أيضاً إعادة النظر في أساليب طرح المناقصات والمشاريع الحكومية للمساهمة في رفع مستويات توظيف السعوديين. ومن الممكن النظر إلى نسبة السعودة في كل مؤسسة خاصة أو وضع تصنيف للمؤسسات الخاصة يظهر مقدار توظيفها للسعوديين، فالمؤسسات التي توظف سعوديين تبلغ نسبتهم مثلاً 30 في المائة من إجمالي عمالتها تحصل على تصنيف أفضل من المؤسسات التي توظف مثلاً 20 في المائة، والأخيرة تمنح تصنيفاً أفضل من المؤسسات التي توظف 10 في المائة وهكذا دواليك. ويمكن من خلال هذا التصنيف اختيار المؤسسات الخاصة التي توظف أعدادا متزايدة من السعوديين، أو على الأقل منح أفضلية لهذه المؤسسات عند طرح المناقصات والمشاريع الحكومية وحتى إعطائها أفضلية في التمويل الحكومي وبعض المزايا الأخرى. ويمكن أن يشمل التصنيف المؤسسات الأجنبية العاملة في المملكة وعدم قصره على المؤسسات التي يملك رأسمال معظمها سعوديون. إن جمع معلومات وبيانات عن المؤسسات وجنسية موظفيها سيمكن من إسناد المشاريع الحكومية للمؤسسات المسعودة بدرجة أكبر, وهذا سيدعم خطط خفض بطالة السعوديين.
ومن البيانات المهمة التي ينبغي الحصول عليها البيانات المحددة لحجم ونسب بطالة الداخلين الجدد في سوق العمل وحجم الفاقدين لأعمالهم. فمعظم العاطلين عن العمل ممن تقل أعمارهم عن 30 عاماً ومن غير المتزوجين، وهي إشارة إلى تركز البطالة في الداخلين الجدد لسوق العمل، ولكن البيانات المتوافرة حالياً لا تمكن من تحديد نسبتهم بشكل دقيق. من جهةٍ أخرى، تنخفض نسبة الفاقدين لأعمالهم المتزوجين أو المعيلين لأسر بين العاطلين عن العمل، ولكن من المهم تحديدها بشكل دقيق، فالبطالة بين هؤلاء هي أسوأ أنواع البطالة وأشدها خطورة. ومن المتوقع أن يقل حجم الفاقدين لأعمالهم عن ربع حجم العاطلين عن العمل بل قد يكون أقل من هذا بكثير. وهناك نسب كبيرة من العاملين ممن يتركون أعمالهم أو يفقدونها ولكنهم يجدون عملاً قبل فقد أعمالهم أو بسرعة ولا يدخلون بذلك في إحصاءات البطالة، ومع هذا فإن توافر بيانات ومعلومات عن خصائص هؤلاء قد يساعد في التصدي لمشكلة البطالة. وينبغي أيضاً تحديد حجم العمالة التي تتعطل من نفسها وتحديد مسببات تركها للعمل، وعادةً لا تستحق العمالة التي تترك عملها بصورة ذاتية مخصصات بطالة. ويوجد شريحة من العاطلين عن العمل عائدة لسوق العمل بعد فترة انقطاع طويلة والتي ينبغي أيضا تحديد هذه الفئة وأسباب تركها وعودتها للعمل.
ويكتسب تحديد متوسط فترات البطالة أهمية كبيرة، حيث يتم في ضوئه تحديد فترات الاستفادة من مخصصات البطالة. وتعاني نسب متفاوتة من العمالة من بطالة لفترات قصيرة من الزمن، بينما تعاني الأخرى من بطالة طويلة الأمد. وينبغي تحديد فترات البطالة ونسب المعانين منها، وكذلك معرفة خصائصهم سواءً كانت عمرية أو علمية أو أخرى. فعادةً ما تكون معظم البطالة مؤقتة ولفترة محدودة، وهذا يحد من تأثير البطالة على المعانين منها، بينما قد يعاني عدد كبير أو صغير من العاملين من بطالة طويلة الأمد والتي قد تدمر حياة المعانين منها، وقد تؤدي إلى تفكك أسرهم أو ارتفاع نسب الجرائم والفقر والمعضلات الاجتماعية الأخرى بينهم. وهذه الفئة تستدعي أن تولى أسرهم على الأقل عناية خاصة، حيث ينبغي التخفيف من معاناة أسرهم قدر الإمكان أو تحويلهم إلى أنظمة الضمان الاجتماعي للحد من وقوعهم في دائرة الفقر. ومن المعلومات المهمة التي تساعد على التصدي للبطالة معرفة أسباب ترك العمل أو أسباب طرد العاملين وأسباب عدم توظيفهم.
إن التعامل الأمثل مع البطالة يتطلب توفير بيانات تفصيلية متزايدة عنها، وذلك للمساعدة على تبني سياسات مناسبة وذات كفاءة عالية تنجح في التصدي للبطالة. وإضافة إلى ذلك سيمكن توفير مزيد من المعلومات الباحثين والمتخصصين من استشراف مستويات البطالة المستقبلية التي في ضوئها يمكن تبني السياسات المناسبة التي تتصدى لمعضلة البطالة في وقت مبكر قبل تعاظم مصاعبها.