ولكن سوق الحديد ليست حرة
ناقش المجلس الاقتصادي الأعلى ملف أسعار الحديد وتبعاته، وقرر – كما نقلت وسائل إعلام - رفض سياسة التدخل في الأسعار لحل المشكلات الاقتصادية، مستندا إلى حرية السوق التي تنتهجها المملكة.
هل إلغاء التسعير يعني أن سوق الحديد في المملكة أصبحت حرة؟
السوق الحرة يعني السوق الخالية من عوائق الدخول في السوق ومن التدخل الحكومي، خلاف التدخل لفرض القانون. والتدخلات الحكومية تعني السياسات الحكومية التي ترمي إلى التأثير على تخصيص/ توزيع الموارد، أو تضع قيودا على السلوك الاقتصادي.
وعكس السوق الحرة السوق الواقعة تحت رقابة وتدخلات الحكومة من حيث عناصر الإنتاج, وما ينتج أو يباع, وكيف يسعر ويوزع, وماذا يشترى ونحو ذلك. ولذا نفهم أن التسعير واحد من أساليب التدخلات الحكومية, ولكنه ليس الوحيد.
ويبنى على حرية السوق كون التبادل وحركة السعر تقرر من خلال تفاعل الطرفين المشترين والبائعين بدون تدخل الحكومة باستثناء فرض القانون ومنع التلاعب والغش ونحو ذلك.
وينبغي أن يفهم أن حرية السوق لا تضمن وجود سوق تنافسية. ولكنها تتطلب تطلبا جازما عدم وجود عوائق أمام الراغبين في دخول السوق سواء من طرف المنتجين أو البائعين، لأن العوائق ترتب قيودا على السلوك الاقتصادي. وهذه النقطة محورية لفهم العلاقة بين حرية السوق والتنافسية. وجود العوائق مانع من المنافسة، ولكن العكس ليس بلازم. والتكتل أو تنسيق الجهود لممارسات غير عادلة أمثلة للعوائق.
طبيعة التوسع والتطور الصناعي والتقني في الغرب منذ منتصف القرن الـ 19 الميلادي حفزت منشآت إلى تكوين تكتل trust لتسهيل أعمالها وزيادة أرباحها تحت سلطة رقابية تسمى مجالس الأمناء. وقد جنحت هذه التكتلات إلى التضييق على دخول المنافسين بهدف إبقاء الأسعار أعلى من الأسعار التنافسية، وهي عملية تسمى تقنيا ''الممارسات السعرية غير العادلة''. وقد تلجأ هذه التكتلات إلى خفض الأسعار دون التكلفة لفترة مؤقتة بغرض الإضرار بالمنافسين الصغار ومحاولة إجبارهم على الخروج من السوق.
وقد طور عديد من الدول مجموعة واسعة جدا من التشريعات التي يعمل تطبيقها على تصحيح تشوهات السوق، ومكافحة الممارسات المعطلة لقواها. ومن أقوى أدوات تصحيح تشوهات السوق التسعير.
تتدخل الحكومات بالتسعير بصورة مستمرة أو مؤقتة. التدخل المستمر عادة إما لخفض أسعار سلع منتجات أساسية عن أسعار التكلفة أو السعر التوازني، أو عبر منع رفع الأسعار عن الأسعار التوازنية، أي الأسعار المفترض أو المتوقع أن السوق يتوازن عندها لو كانت هناك منافسة عادلة.
كما تتدخل الحكومات أحيانا بصورة مؤقتة. وهذا التدخل عادة إما خلال الأزمات، من خلال تسعير سلع يحتاج إليها عامة الناس، ويقترن بالتسعير عادة تقنين الكميات المباعة، ووجود شكل من أشكال الدعم الحكومي، وإما بوضع حد أعلى للزيادة في ظروف وجود اختلال كبير بين العرض والطلب. والهدف في كلتا الحالتين مكافحة التضخم.
التحليل الاقتصادي النظري والمشاهدة في مختلف أنحاء العالم أفادت بأن التسعير كثيرا ما يتسبب مع مرور السنين في تعميق الاختلالات بين العرض والطلب، كما بينت المشاهدات أن الناس لهم قدرة كبيرة على التحايل على القيود السعرية. ومن جهة ثالثة، يتطلب تطبيق التوسع في التسعير قدرات إدارية كبيرة.
هل يعني ذلك الدعوة إلى عدم تدخل الحكومات؟
ليس الأمر بهذا التبسيط. من المهم التعرف على خصائص السلع، وأن تحلل إنتاجا وتكلفة وبيعا وطلبا، وأن تدرس جيدا آثار ومحاسن وعيوب التدخل، كما أن من المهم أن تدرس أسباب الاختلال بين العرض والطلب، وأن يعمل على حلها، حتى لا يتحول التسعير المؤقت إلى دائم.
نرجع إلى سؤالنا في مقدمة المقال: هل سوق الحديد في المملكة فعلا حرة؟
لا. ليست حرة. فالسوق يهيمن عليها عدد محدود من الشركات الوطنية المنتجة للحديد، وعلى رأسها ''سابك'' التي تنتج ما يقارب نصف إنتاج البلاد من الحديد. نظريا، ومن معرفة الناس لطبيعة سوقنا، بإمكان هذه الشركات أن تفرض سعرا شبه احتكاري. كما بإمكانها وضع العراقيل أمام دخول منتجين جدد، أو أمام نمو وتطور المنتجين الحاليين الصغار. ومن جهة أخرى، الحكومة تتدخل في عملية الاستيراد والتصدير منعا وسماحا ضمن اشتراطات وضوابط.
ماذا يعني ذلك؟
قرار المجلس الاقتصادي - وكما جاء في بعض وسائل الإعلام - بإعطاء الشركات الحرية في وضع الأسعار التي يحددها العرض والطلب ورفض التدخل المباشر في الأسعار, لأن ذلك يخالف مبادئ حرية السوق، هذا القرار غير مسلم به هكذا. السوق أصلا ليست حرة، ومن ثم فالتعليل بأن ذلك يخالف مبادئ حرية السوق لا يعبر عن الواقع.
التسعير على المنتجين المحللين بأسعار تقل عن الأسعار العالمية صنع مشكلة تحدثت عنها وسائل الإعلام كثيرا. الحكومة (ممثلة في وزارة التجارة) ليست لديها الموارد الكافية لضبط ومراقبة الالتزام بتسعيرتها وكشف ومنع التحايل عليها. ولكن رفض التسعير – كما هو قرار المجلس الاقتصادي- قد ينشأ منه العكس: أن يباع الحديد في السوق المحلية بأعلى من السعر العالمي نتيجة تواطؤ مثلا.
كان المؤمل أن يكون لمجلس حماية المنافسة كلام في المشكلة. وفي هذا قد يرى أنه من الأنسب أن يجعل مجلس حماية المنافسة تحت مظلة المجلس الاقتصادي الأعلى.
من جهة أخرى، من الأنسب – كما أرى - أن يقرر المجلس الاقتصادي الأعلى أن على وزارة التجارة مراقبة الأسعار في نطاق الأسعار العالمية، أو أسعار المثل بتعبير الفقهاء. ولكن نجاح هذا مرتبط بدعم قدرات الوزارة. ومن ثم أرى أن على المجلس أن يقرر طرقا لدعم قدرات الوزارة في متابعة الوضع محليا وعالميا، ومراقبة السوق وتطبيق الأنظمة. وبالله التوفيق،،،