رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


العمل البلدي ومفهوم الإدارة المحلية (2 من 2 )

أشرت في الحلقة السابقة إلى اللقاء الدوري التاسع لرؤساء البلديات في منطقة الرياض، الذي تناول “أساليب تطوير المدن المتوسطة والصغيرة بمفهوم الإدارة المحلية”. اختيار التركيز على تطبيق مفاهيم الإدارة المحلية في العمل البلدي يؤكد أهمية التحول في صناعة القرار البلدي من الاعتماد فقط على المعايير الفنية الهندسية والإجراءات الإدارية البيروقراطية إلى ضرورة أخذ الرأي العام المحلي في الحسبان وإتاحة الفرصة لجميع مكونات المجتمع بالتداخل والمشاركة في صناعة القرار ليكون أكثر كفاءة وفاعلية في تلبية احتياجاتهم وتطلعاتهم وطموحاتهم الحاضرة والمستقبلة. اللقاء كما ذكرنا يأتي امتدادا لسلسلة من اللقاءات الدورية تقوم بها أمانة منطقة الرياض تعقد كل عام في إحدى محافظات المنطقة، وهو نهج يعزز توجه الأمانة نحو اللامركزية ويبعث برسالة واضحة للقيادات البلدية بأهميتهم كعناصر للتغيير وتأكيد الثقة بقدراتهم وتسليط الضوء على إنجازاتهم ومبادراتهم الذاتية ودفعهم نحو مزيد من الإبداع في تطوير بلداتهم. هذا التوجه يأتي منسجما مع التغيرات والمستجدات الداخلية والخارجية التي تحتم تطوير العمل البلدي ليكون أكثر قدرة على احتواء هذه المتغيرات بل تسخيرها لتكون عاملا إيجابيا في التنمية المحلية.
الحقيقة التي يجب أن نعيها هي أن التغير سنة كونية وأن الشيء الوحيد الثابت هو التغير, وبالتالي يستوجب العمل على إعداد المجتمع لأوضاع مستقبلية جديدة قادمة يكتنفها كثير من التحديات والغموض والصعوبات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية. لقد أصبح العالم قرية صغيرة ولم نعد بمنأى عن التأثير والتأثر بالآخرين, ما يعني زيادة حدة المنافسة العالمية, وبالتالي ضرورة رفع القدرات المحلية وتحريك مواردها لتحقيق التنمية المحلية التي هي جذور التنمية الوطنية خاصة مع انتفاء البعد المكاني وأصبح على المدن المنافسة خارج حدود السعودية. هذا يتطلب في جوهره إعادة تثقيف المجتمعات المحلية وتحفيز سكانها للاهتمام بالقضايا العامة وتعزيز الانتماء لمحلياتهم والانخراط في مشاريع التنمية المحلية بجميع أطيافهم وعلى جميع المستويات. التنمية المحلية لم تعد مسؤولية الأجهزة الحكومية المحلية وحسب, لكن جميع مكونات المجتمع المحلي بما في ذلك مؤسسات القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني وعموم السكان. هذا التفاعل والتكامل بين المؤسسات الرسمية (الحكومية) وغير الرسمية متطلب أساسي لنقل التنمية من الحالة السلبية إلى وضع أكثر إيجابية بحيث يكون المجتمع المحلي أكثر مسؤولية ويمارس أدوارا أكثر إيجابية في العملية التنموية، بدلا من الوقوف موقف المتفرج وانتظار الأجهزة الحكومية المركزية منحة كل شيء. وأهم من ذلك، تثقيف المجتمعات المحلية وتطويرها لتكون على استعداد لتحمل مسؤوليات أكبر في المستقبل خاصة في أوضاع ما بعد النفط أو عند انحسار الموارد وانخفاض الدخل الوطني. ولذا أصبح من الضروري إعداد المجتمعات المحلية وتنميتها سياسيا فكريا وعمليا لمواجهة الأوضاع الجديدة التي تتطلب تطوير أسلوب صناعة القرار المحلي بتحفيز سكان المدن للمشاركة عبر مناقشة قضاياهم المحلية وإدارة الاختلاف من خلال البحث عن صيغ توافقية في إطار قانوني يكفل حرية التعبير ويحقق الشفافية والانضباط الاجتماعي. إن إعادة تثقيف المجتمعات المحلية والارتقاء بأسلوب التعامل مع الشأن العام أمر يتطلب وقتا طويلا والانخراط في تجربة عملية وخبرة تراكمية وقد يخطئ ويسيء التقدير من يظن أن التحول الاجتماعي يأتي بين ليلة وضحاها بمجرد إصدار أنظمة وسياسات جديدة. ولذا توجب البدء من الآن في إحداث التطوير التدريجي للمجتمعات المحلية. وفي هذا السياق لا بد من الإشادة بقرار تفعيل الانتخابات والمجالس البلدية, إذ يمثل خطوة على المسار الصحيح نحو التخفيف من المركزية ويؤكد أهمية إعادة التفكير في نظام الإدارة العامة وطريقة صنع القرار العام واتباع رؤية ونهج جديد في الإصلاح الإداري يتعدى الاهتمام بتطوير نظم الأجهزة المركزية إلى تطبيق اللامركزية بمفهومها العام لتشمل نقل الصلاحيات لهيئات إقليمية ومحلية تتمتع بالاستقلال المالي والإداري. وعلى أن الانتخابات والمجالس البلدية سجلت نجاحات تمثلت في القدرة الفائقة على تنظيمها بحرفية متناهية وأظهرت السلوك الحضاري للمواطنين بانتظامهم في العملية الانتخابية، إلا أنها بلا شك لم تخل من التحديات الكبيرة, خاصة في جانب الممارسة وما يتعلق باختصاصاتها وأدوارها والصلاحيات الممنوحة. فقد اقتصر دورها على مراقبة الأجهزة البلدية التي تعمل تحت مظلتها الإدارية والمالية! وفي الوقت ذاته يدور الاثنان (البلدية ومجلسها) في دائرة ضيقة من الصلاحيات لا تتناسب مع حجم المسؤوليات والأدوار المنوطة بهما ولا ترتقي إلى مستوى تطلعات وطموحات المواطنين. وهنا تبرز المشكلة الرئيسة، التي يجب مواجهتها بكل شفافية ومصداقية وجرأة, وهي أن سكان المدن توقعوا أن تقوم المجالس البلدية كمجالس نيابية محلية بتناول جميع قضاياهم وهمومهم المحلية والتصدي لها ووضع الحلول الناجعة، إلا أن شيئا من ذلك لم يحدث لأن نظام البلديات ومجالسها معنيان فقط بالخدمات البلدية التقليدية, وليس بإدارة المدينة بجميع قطاعاتها، ما خلق نوعا من الإحباط وعدم الثقة بالمجالس, وهو أمر خطير جدا على المشروع التنموي الوطني يؤدي إلى انسحاب الأفراد من القضايا والشؤون المحلية ويعزز الاتكالية واللامبالاة واللا مسؤولية. كما أن تعدد الوحدات المحلية والمرجعيات وعدم وجود نظام إداري ينسق فيما بينها يربكان العمل المحلي, ويجعلان هناك نوعا من التضارب والازدواجية.
إن قضية إدارة المدن تتطلب معالجة جذرية وشاملة عبر لقاءات ونقاشات وطنية جادة لإيجاد صيغة مناسبة ونظام للإدارة المحلية يكفل تلبية احتياجات المجتمعات المحلية, وفي الوقت ذاته يعزز الانضباط الاجتماعي والولاء . وقد يكون تخصيص اللقاء التاسع لرؤساء البلديات في منطقة الرياض في تطبيق مفاهيم الإدارة المحلية في العمل البلدي يصب في هذا الاتجاه ويوضح أهميته. ما يدعو إلى الاعتزاز هو أن فكرة تنظيم اللقاء حول تطبيق مفاهيم الإدارة المحلية في العمل البلدي نبعت من داخل الجهاز البلدي تقدم بها المهندس بدر الحمدان رئيس بلدية المجمعة وتبناها المهندس أحمد التويجري وباركها أمين منطقة الرياض. بلدية المجمعة قدمت رؤيتها أثناء اللقاء تحت شعار المجمعة مدينة المستقبل 1450هـ بعرض فيلم وثائقي يشرح رؤية المدينة التي تبنت نهج “إدارة المدن بالمشاركة”. الرؤية حسب تصريح المهندس بدر الحمدان: “ستظل بوصلة للاتجاه الذي نمضي فيه بالمشاركة مع كل القطاعات في المحافظة وبتآزر مع سكانها والاستراتيجية التي اعتمدناها”. هذه القيادات المبدعة على جميع المستويات والجهود الكبيرة المبذولة في تطوير المدن تعكس حالة من النضج الإداري والثقافي لدى المجتمعات المحلية بشكل خاص والعمل البلدي بشكل عام تستوجب نظاما للإدارة المحلية يتناسب مع إمكاناتها ويسهم في تطوير قدراتها ويقود نحو تنمية محلية بجهود محلية ذاتية فكرا وتخطيطا وتنظيما وتنفيذا.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي