الفتوى والإعلام والإسلام (7)
كلما أردت ترك قصة عبد المطلب ازددت شوقا إليها. وكلما صوّرت لي نفسي أنني هضمتها وجدتني أكتشف فيها عبرا كانت غائبة عني عند آخر قراءة لها. قد يقول قائل ما له وقصة الهاشمي هذا الذي منع الله رسوله من الاستغفار له: «ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى» (التوبة). وكم بكى محمد بعد أن لامه الله على استغفاره لأقرب الناس إليه وكم بكى المسلمون معه.
مع ذلك نحن ما زلنا نحب عبد المطلب. إننا نرى في سيرته وما حدث له في حياته نبراسا ودرسا ما أحوجنا إليه اليوم. انظر ما جرى لابنه عبد الله وموته غير المتوقع وتيتم حفيده محمد ومن ثم وفاة والدته آمنة وحبه الجم الخارق لهذا اليتيم وتأمله في كل هذه الأحداث والأمور التي رأى فيها قوة خارقة ستقلب مجريات الحياة في مكة وما بعد مكة.
أُسس هذا الدرس تكمن، في رأيه المتواضع، في أن الإنسان عليه في كثير من الأحيان إطاعة نداء قلبه قبل عقله. وهذا ما فعله عبد المطلب منذ قصته مع الطيف الذي تراءى له في المنام. وعانى ما عانى من جحود قومه وأهله. لم تكن قريش سهلة المراس قط. كان الأعراب في مكة والجزيرة غلاظ القلوب لا يخافون ولا يهابون الأطياف. كان إيمانهم يرتكز على الملموسات من الأصنام والسجع والحظ واليانصيب المرتبط بضرب كاهن المعبد بالأقداح أمام أعينهم المجردة. هؤلاء الأعراب رفضوا قبول الغيب الذي حاول اليهود والمسيحيون من أقرانهم وغيرهم إدخاله في عقولهم، فكيف لهم أن يتقبلوا أقوال طيف ادعى عبد المطلب أنه رآه في المنام؟
ولنا أن نتساءل لماذا كان هؤلاء القوم على هذه الشاكلة؟ السبب واضح. لو أمعنا في قراءة السيرة قبل مقدم الإسلام لنرى أن العرب كانوا من أكثر شعوب العالم تمسكا بوثنيتهم. ليس لأن آلهتهم كانت من العزة والقوة والمكانة ما يمنحها سلطة دنيوية وسماوية تفوق مثيلاتها مما لدى الشعوب الأخرى، بل بسبب المعجزات الخارقة التي ارتبطت بالبيت العتيق وكعبته. ولسذاجتهم وجاهليتهم كانوا يربطون هذه المعجزات التي يرد ذكر بعضها في القرآن بالأصنام والكهان، وكان لها في أنفسهم وقع يفوق بكثير ما كان للمعجزات التي يرد ذكرها في التوراة والإنجيل. ولنا أن نتصور المشقة والعذاب والحرمان التي سيعانيها أي شخص يعده الله لثنيهم عن دينهم وذلك لتشبثهم الذي لا مثيل له بوثنيتهم. وسيرة نبي الإسلام وما لقيه من صعاب في سبيل إبلاغ رسالته يقرأها كل مسلم في بداية حياته.
وهكذا عندما يجد عبد المطلب الماء يقبل أشراف قريش إليه. قبلت قريش أن تطّلى الكعبة بالذهب الذي عثر عبد المطلب عليه. أما الماء وفي باحة المسجد وفي صحراء ملتهبة وقيظ يصعب تحمله حتى على الإبل فهذا شأن آخر. الماء مفتاح مكة والذي يسيطر على البئر يسيطر على مكة. كان همّ قريش القوة الظاهرة وكان هم عبد المطلب القوة الكامنة. هو أراد أن يسقي الحجيج مجانا كما طلب منه الطيف. قريش أرادت أن تستأثر بالماء من أجل السلطة والجاه والمال.
ويقاوم عبد المطلب طغيان قريش رغم أنه وحده مع ابنه الوحيد حين عثوره على الماء وهم كثر. وإن قبل بحكم الكهان وأقداحهم فذلك ليطمئن قلبه لأنه كان واثقا في قرارة نفسه أن الغلبة ستكون للقوة الكامنة رغم عدم إدراكه لها. وهكذا كان. لا السجع ولا الكهان ولا الأصنام خاف منهم عبد المطلب. وحتى الجيش الجرار الذي أتى به أبرهة الحبشي لم يخشه. بمعنى آخر أراد عبد المطلب أن يلبي نداء قلبه رغم أن كل التشريعات والفتاوى حينئذ كانت تعاكسه. الاطمئنان يحصل عليه المرء، كما حصل عليه جدّ الرسول، عندما يلبي الإنسان نداء القلب وليس نداء أشخاص جعلوا من أنفسهم حكاما على الدين والدنيا دون وجه حق. والله سبحانه وتعالى يرضى عنا عندما نلبي نداء القلب والضمير حتى إن أردنا امتحان قدراته التي هي خارج نطاق إدراكنا. فجلاله يلبي طلب إبراهيم كي يريه إحياء الموتى: «قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي» (البقرة). كذلك: «يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم» (الشعراء). وكذلك قوله عن نوح: «إذ جاء ربه بقلب سليم» (الصافات).
وإلى اللقاء.