رفع يد وزارة التجارة خطأ اقتصادي خطير والتقليل من هيمنتها أمر غير محمود
أقرت أغلبية المقالات المنشورة والآراء الاقتصادية إضافة إلى تعليقات القراء بأن هناك شيئا ما غامضا في سوق الحديد وما يحدث هو أمر غير طبيعي. تؤكد وزارة التجارة أن الطلب 6.4 مليون طن والطاقة الإنتاجية 7.3 مليون طن بخلاف إمكانية استيراد الحديد، ويحدث فوق كل هذا شح في السوق ثم عندما تحاول الوزارة – كما هو مطلوب منها - التدخل لضبط السوق يصبح تدخلها ضد مفاهيم المنافسة ويتسبب في سوق سوداء؟ هذه العلاقة غير مفهومة اقتصاديا. فإذا كان هناك شح في السوق وارتفاع أسعار الخامات المستوردة فلماذا كل ذلك القلق الذي أبداه التجار من رفع الرسوم الجمركية عن الحديد المستورد ولو بشكل مؤقت؟
وفقا للنظرية, فإن قوى العرض والطلب تحدد أسعار الحديد والسوق تبحث عن سعر توازن يقبله الطرفان، المشتري والبائع. إذا ارتفعت الأسعار أكثر من قدرة المشترين فإن الطلب سينخفض، وبذلك يتراكم الحديد عند المصانع فتحاول المصانع خفض الإنتاج للحفاظ على الأسعار. ولكيلا تحدث خروقات من المصانع فإنها تدخل في اتفاقيات احتكارية وتجتمع فيما بينها تحت مظلات غير رسمية وهذا ضد المنافسة وضد السوق الحرة. في ظل الاحتكار يسيطر المحكتر على العرض وكمياته بطريقة تضمن سعرا مرضيا للمنتجين حتى ولو كانت ضد مصالح الاقتصاد. رفع يد وزارة التجارة خطأ اقتصادي خطير والتقليل من هيبتها أمر غير محمود العواقب. نعم عدم التدخل في الأسعار قضية أساسية في الاقتصاد الحر لكن بما يضمن بقاء السوق الحرة نفسها، فإذا كانت تلك الحرية ستتسبب في انهيار السوق أو حدوث صدمات اقتصادية فإن التدخل أمر مرغوب فيه ولا شك وتبقى قضية التدخل المباشر أو غير المباشر محلا للنقاش.
المادة الأولى من نظام المنافسة نصت على أن النظام يهدف إلى حماية المنافسة «العادلة» – وضع تحت كلمة العادلة ما شئت من الخطوط - وتشجيعها، ومكافحة الممارسات الاحتكارية التي تؤثر في المنافسة المشروعة. كما عرف «الهيمنة» بأنها وضع تكون من خلاله المنشأة أو مجموعة منشآت، قادرة على التأثير في السعر السائد في السوق من خلال التحكم في نسبة معينة من العرض الكلي لسلعة أو خدمة معينة في الصناعة التي تمارس نشاطها فيها. ونصت المادة الرابعة على حظر الممارسات أو الاتفاقيات أو العقود بين المنشآت المتنافسة، سواء أكانت مكتوبة أو شفهية، وصريحة كانت أم ضمنية، إذا كان الهدف منها تقييد التجارة أو الإخلال بالمنافسة بين المنشآت. كما حظر على المنشأة أو المنشآت التي تتمتع بوضع مهيمن، أي ممارسة تحد من المنافسة بين المنشآت، وبخاصة ما يأتي: (1) الحد من حرية تدفق السلع والخدمات إلى الأسواق أو إخراجها منها بصفة كلية أو جزئية، وذلك من خلال إخفائها، أو تخزينها دون وجه حق، أو الامتناع عن التعامل فيها. (2) افتعال وفرة مفاجئة في السلع والخدمات، حيث يؤدي تداولها إلى سعر غير حقيقي، يؤثر في باقي المتعاملين في السوق. (3) منع أي منشأة من استخدام حقها في دخول السوق أو الخروج منها أو عرقلة ذلك في أي وقت. (4) تجميد عمليات التصنيع والتطوير والتوزيع والتسويق وجميع أوجه الاستثمار الأخرى، أو الحد من ذلك. وحذرت المادة الخامسة على المنشأة التي تتمتع بوضع مهيمن أي ممارسة تحد من المنافسة ومن ذلك (1) فرض قيود على توريد السلعة أو الخدمة بهدف إيجاد نقص مصطنع في توافر المنتج لزيادة الأسعار. (2) فرض اشتراطات خاصة على عمليات البيع أو الشراء، أو على التعامل مع منشأة أخرى على نحو يضعها في مركز تنافسي ضعيف بالنسبة إلى المنشآت المتنافسة.
والآن هناك ثلاث شركات في وضع هيمنة بالنسبة لسوق الحديد؟ ألم تمارس هذه الشركات كلا أو بعضا من تلك الممارسات التي تحد من المنافسة ونص عليها النظام؟ وعندما يصرح أحد مسؤولي هذه الشركات بأن رفع الرسوم الجمركية سيزيد من المنافسة وقد يحدث إغراقا للسوق في وقت تعاني السوق فيه الأمرين من الشح ويتكدس الناس أمام مستودعات الحديد، أليس مثل التصريح دليل واضح بأن هناك ممارسات وضغوطا الهدف منها الحد من المنافسة. ثم وقد احتجت المصانع بقضية ارتفاع أسعار المواد الخام فكيف نفسر الشح وتكدس الناس أمام المستودعات؟! أليس بإمكانها رفع مستويات الإنتاج ولديها القدرة على ذلك مما يتيح لها فرصة تخفيض التكلفة الثابتة على وحدة الإنتاج وبالتالي السيطرة على ارتفاع الأسعار وتوفير المنتج في السوق؟ لماذا اختارت الشركات المحافظة على مستويات الإنتاج برغم حاجة السوق وعطشها وبرغم ارتفاع أسعار المواد الخام إلا رغبة منها في فرض أسعارها الاحتكارية. المؤلم بعد كل هذا أن يتم رفع يد وزارة التجارة واعتبار ما قامت به مخلا للمنافسة فعن أي منافسة ندافع؟! أليست وزارة التجارة هي التي مارست ضغوطها قبل نحو عامين لمنع التجار من ممارسة الاحتكار وتعطيش السوق وبسبب تلك القرارات الجزئية انخفضت الأسعار وعادت السوق للهدوء؟! فكيف يُرفض دور الوزارة الذي يهدف إلى معاقبة أساليب التخزين غير المشروعة ويحفز الإنتاج والمنافسة؟ ثم إن السوق الحرة تحتاج إلى جهات رقابية متعددة ومنها الجمعيات الأهلية التي تمارس ضغوطا كبيرة على التجار وتفضح أساليبهم ومن ذلك أيضا. السوق الحرة بشعة إذا لم تحكم بنظام إعلامي وأهلي وحكومي صارم فكيف ننادي بسوق حرة على أعلى مستويات الحرية ولم نوفر مستلزماتها. ثم إن المادة الثامنة من نظام المنافسة تشير إلى إنشاء مجلس حماية المنافسة برئاسة وزير التجارة والصناعة، ومن مهامه الأمر باتخاذ إجراءات التقصي والبحث وجمع الاستدلالات بالنسبة للشكاوى والممارسات المخالفة للمنافسة وكذلك اقتراح مشاريع الأنظمة ذات العلاقة التي تؤثر في المنافسة في ضوء المتغيرات التي تطرأ على السوق.
في ضوء مفاهيم المنافسة السابقة والنظام وأهمية دور وزارة التجارة كنت أتمنى قبل أن يرفع المجلس الاقتصادي الأعلى يد الوزارة أن يشاركها «هم» تنظيم السوق وأن يسمع صوت مجلس المنافسة ورأيه. وبدلا من إلغاء الأسعار الثابتة يتم استبدالها بهوامش ربحية محددة وتجبر المصانع على تزويد التجارة بتكاليف الإنتاج لكل وحدة وعند كل مستوى من الإنتاج لكي تمارس الوزارة رقابتها وتعاقب كل من يمارس مخالفات تشوه المنافسة والاقتصاد الحر فعلا.