رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الإنسانُ وإقامة الميزان!

خلق الله كل شيء في الكون بميزان دقيق محكم لا يعتريه خلل، إذ قال جل شأنه «وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ».. هذا الميزان الإلهي تتحرك وفق نواميسه مفردات الكون جميعاً، من شمس وقمر ونجوم وكواكب..الخ، إذ تمضى على هذا النسق البديع مُسَيّرة بقدرة القادر، كي تؤدى مهمتها المحددة بمنتهى الدقة، حيث لم يمنحها الخالق القدرة على الاختيار، وإنما تدور وتجرى وفق قدر معلوم إجباراً لا اختياراً، وهي تفصح وقتما تتحرك عن آية كونية رائعة - جديرة بالتأمل والتدبر في كتاب الله المنظور - تحكم أداء الكون كله من الذرة إلى المجرة ألا وهى آية ( الميزان ).

والإنسان خَلقٌ من خَلقٍ الله تعالى، ليس بمعزل ولا منأى عن نواميس هذا الميزان، إذ جاء إلى الأرض و معه ميزانه، كي يضبط حركته في الحياة، ليحيا في حالة انسجام مع مفردات الكون الأخرى.. هذا الميزان جاء متمثلاً في منهج رباني مكتمل يرمى إلى تحقيق التوازن بين روح الإنسان ومادته، بحيث لا يطغى جانب على جانب، بُغية أن لا ينسلخ من بشريته إلى خَلْق آخر غير جدير بتمثيله، لأنه بشر ولا يجب أن يكون غير ذلك!.

وهنا تكمن القدرةُ على تحقيق المعادلة الصعبة بين جانب يريد أن يرقى إلى السماء وهو جانب الروح، وبين جانب يريد أن يخلد إلى الأرض وهو جانب المادة، وبينهما نقطة متوسطة هي ما يجب أن يلتزم الإنسان به عند حركته في الحياة، وهنا أقصد المنهج الوسط المعتدل، في الفكر والتصور والاعتقاد والحركة والسلوك، وتحقيق الوسطية يعنى عملياً إقامة المنهج الرباني المعنى في قوله الله تعالى «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا..».

وهنا التقط مثالين جليين، أحدهما يتصل بالروح، وثانيهما يتصل بالمادة، ثم أجرى مع إسقاطاً واقعياً لهذين المثالين، لنرى معاً مدى تحقق الميزان في كليهما على أرض الواقع، ثم نلتقط المرحلة الوسط بين المثالين لتمثل الميزان بين الروح والجسد...

(الأول: ما يتعلق بالروح).. الالتزام بتعاليم الدين شيء محمود ورائع، لكن نظرة الإفراط أو التفريط إلى الدين، مسألة تحتاج إلى وقفة، فلا يجوز النظر إلى الدين من زاوية واحدة، قد تكون عند البعض حادة وتمثل إفراطاً غير مقبول، وقد تكون منفرجة عند البعض الآخر فتمثل تفريطاً غير مُستساغ، وبين هذا وذاك منطقة وسط معتدلة، تمثل (ميزان) التدين، تاهت من الفريقين، وهنا ينشأ الخلل الروحي لأن أحد كفتي الميزان تميل إما يمنة ناحية الغلو والتشدد، أو يسرة ناحية التفريط والتسيب.. قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم" «إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق فإن المُنْبَتَّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى».

(الثاني: ما يتعلق بالمادة).. الخلل في ميزان الإنفاق والاستهلاك، يكشف بوضوح عن ضياع المنهج الوسط في هذا المضمار، وأشد ما يكون الخلل، وقت الرخاء والترف!.
لقد وضع الله تعالى ميزاناً للإنفاق والاستهلاك في قوله « وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا« وفي قوله « يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ».. فمن الذي يلتزم بهذا المنهج القويم؟!.. الإجابة واضحة كالشمس في رابعة النهار.

ولذلك انطلقت دعوات بل وتشريعات على مستوى الوطن العربي من أجل ترشيد الإنفاق والحد من الاستهلاك غير المبررين، لكن الأمر يحتاج أيضاً إلى وضع آليات لنشر ثقافة الإنفاق والاستهلاك بين قطاعات المجتمع بحيث يتم تقليل وتحجيم الفاقد والتالف إلى أدنى مستوى ممكن.

(الثالث: المنطقة الوسط أو الميزان).. بين مثال الروح ومثال المادة منطقة مثالية، تجمع بين متطلبات الروح ومتطلبات المادة في تناسق جميل، تمثل في رأيي ميزان الحياة، قال تعالى «وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ» هذا هو الميزان الذي يحفظ على الإنسان بشريته المكرمة، إذ ليس مطلوباً منه أن يكون ملكاً فيميل ميلاً مفرطاً إلى جانب الروح، كما أنه منهيٌ أن يكون شيطاناً فيكون مبذراً مسرفاً، فيميل ميلاً طائشاً نحو متطلبات نفسه و جسده، قال تعالى «إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا»

إني أعتقد أن ميزان الله في المادة والروح لو عاد حياً في حياتنا لتبدل الحال غير الحال.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي