مفهوم البناء الاقتصادي مرهون بتغيير ثقافة التصميم لدى المجتمع السعودي
يمثل البناء الاقتصادي أحد الحلول المقترحة لمواجهة الأزمة السكانية في المملكة، حيث يعد أحد الأنماط التي أخذت في الانتشار في العالم وخصوصاً في الغرب منذ مدة طويلة بسبب سرعة إنجازه وقلة تكلفته.
وبحسب كل المعايير، فإن البناء الاقتصادي قادم لا محالة, فالأزمة الإسكانية تتفاقم مع مرور الوقت، وبدأت في السنوات الماضية تشكل قلقا على المجتمع السعودي.
وبحسب مختصين في البناء ومهندسين فإن نسبة كبيرة من المجتمع السعودي لا تزال تتمسك بالنظام القديم في التصميم وهو ما يجمع عدد كبير من المختصين على أنه يخالف طريقة البناء الاقتصادي ويزيد من تكاليف البناء والإنشاء.
وفي هذا السياق أوضح لـ»الاقتصادية» المهندس حمد بن ناصر الشقاوي مهندس معماري أن البناء الاقتصادي هو البناء الذي تتناسب تكلفته مع دخل وظروف الفرد المعيشية سواء في المدينة أو القرية, وقال:» على سبيل المثال يمكن أن يكون هناك مبنى تم بناؤه بتكلفة وقدرها مائتا ألف ريال يكون اقتصاديا في مكان ما, وقد يكلف مبنى آخر في مكان آخر خمسمائة ألف ريال ويكون مبنى اقتصاديا كذلك, هذا كله عائد إلى المكان وإلى مستوى المعيشة والتكلفة العامة للبناء المرتبطة بأسلوب الحياة والاحتياج العام للأسرة التي تختلف من مكان إلى آخر».
وأضاف الشقاوي:»هناك نماذج كثيرة تم تطبيقها في المملكة على سبيل المثال لا الحصر مؤسسة الملك عبد الله بن عبد العزيز لوالديه للإسكان التنموي, مشروع مؤسسة الأمير سلطان بن عبد العزيز الخيرية للإسكان الخيري, مشاريع الأمير سلمان بن عبد العزيز للإسكان الخيري».
وأوضح الشقاوي أنه لا يوجد تطبيق لمفهوم البناء الاقتصادي في مساكننا لا على المستوى الفردي أو المستوى المؤسساتي، ويتضح ذلك جلياً على مستوى الشركات العقارية التي تتجه لبناء المساكن الفاخرة التي تلقى رواجاً في السوق لعدم الطلب على المساكن الاقتصادية من جهة والطلب العالي على المساكن عموماً من جهة أخرى، موضحا في الوقت ذاته أن تأثير تطبيق مفهوم المسكن الاقتصادي سيكون إيجابياً وبشكل كبير, حيث سيقدم الحلول لمشكلة الإسكان التي تعاني منها المملكة، حيث تشير الدراسات والتقارير إلى أن أكثر من60 في المائة من المواطنين لا يمتلكون مساكن، والمملكة في حاجة إلى مليون وحدة سكنية للسنوات العشر المقبلة، أي بمعدل 200 ألف وحدة سكنية سنوياً, وأردف «والسؤال المهم هنا هل لدينا الإمكانات لبناء هذا العدد من المساكن من ناحية الطاقة البشرية أو من المواد اللازمة للبناء والأراضي؟».
التخلص من العادات
وبين الشقاوي أن نشر مفاهيم البناء الاقتصادي يجب أن تكون بتغيير المجتمع السعودي لعاداته التي تؤثر وبشكل مباشر في اقتصاديات بناء المساكن, حيث إن طلبات المجتمع السعودي التصميمية للفراغات في المسكن تتم لاعتبارات اجتماعية من شأنها رفع تكاليف المسكن إنشائيا وعلى المدى البعيد من خلال زيادة فواتير الكهرباء والصيانة.
وشدد على ضرورة تغيير مفاهيم المجتمع على جميع المستويات سواء الفردية منها أو على مستوى الإدارات المعنية بتخطيط الأحياء السكنية بحيث يجب أن يغرس ويرسخ مفهوم الوحدة السكنية الاقتصادية.
ولفت الشقاوي إلى أنه يجب ألا تتعدى مساحات الأراضي السكنية 200م2 للمساكن الاقتصادية وإعادة المفاهيم التخطيطية والتصميمية بالاستغناء عن الارتدادات وغير ذلك من الفراغات التي تؤثر وبشكل مباشر في تكلفة البناء وتجعل من فكرة البناء الاقتصادي أمراً مستحيلاً.
وأشار إلى أن أبرز المعوقات التي تواجه البناء الاقتصادي تتمثل في تصميم المسكن, التمويل, السوق «العرض والطلب», أسلوب البناء, مشيرا في الوقت ذاته إلى أن هذه المعوقات متى ما وجدت الحلول لتجاوزها فإن البناء الاقتصادي لن يكون حلما بل واقعا ملموسا.
وأضاف أن تأثير البناء الاقتصادي في الأسعار في حال الاتجاه له سيكون طرديا أي بزيادة الطلب ستزيد الأسعار على جميع المستويات, وأضاف:» من وجهة نظري الشخصية يجب أن يكون التأثير عكسيا بحيث يجب أن تنخفض الأسعار على جميع المستويات, فالعقاري صاحب المخطط الذي يحتاج إلى سنوات عديدة لبيع كامل قطع الأراضي في المخطط واستلام ثمنها, سيقوم ببيع كامل قطع الأراضي في المخطط سواء السكنية منها أو الخدمية واستلام ثمنها في مدة لا تتجاوز الستة أشهر, فبالتالي دورة رأس المال ستكون لدية عالية, كذلك الحال للمقاولين, ولتجار مواد البناء, والأيدي العاملة وغيرهم, فيجب على الجميع أن يتبنى مفهوم «قليل دائم خير من كثير منقطع».
نماذج للبناء الاقتصادي
وعلى الصعيد نفسه قال الدكتور عبد المحسن الحماد أستاذ الهندسة المعمارية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في الظهران:» إن البناء الاقتصادي هو ذلك البناء المنخفض التكاليف، والذي يستغنى فيه عن بعض الجزئيات كالأعمدة والكمرات, مضيفا أن هناك نموذجا للبناء الاقتصادي يتمثل في مشروع خادم الحرمين الشريفين للإسكان, حيث يعتمد المشروع على إنشاء المساكن منخفضة التكاليف.
وأوضح الحماد أن هناك مبالغات كثيرة في المباني ومواد البناء والإنشاء حيث توضع كمية كبيرة من مواد البناء كالحديد أكثر من المطلوب لقيام المبنى وفق الأطر الهندسية وذلك يأتي ضمن حرص المقاول على جني أرباح أكثر، إضافة إلى أن المكتب الهندسي يتجنب المخاطرة لذلك يبالغ أحيانا في كمية الحديد على سبيل المثال, وهو ما يدفع المالك في الغالب إلى تحمل هذه التكاليف دون معرفته بالوضع الحاصل.
وبين الحماد أن تطبيق البناء الاقتصادي في السعودية سيسهم وبشكل كبير في حل مشكلة الإسكان التي تؤرق كثيرا من المواطنين في المجتمع, وأضاف أنه إذا كانت هناك جودة في البناء فإن التكلفة النهائية ستنخفض، ما يساعد على الإقبال والرغبة في تملك المساكن من قبل المواطنين الراغبين في امتلاك مساكن.
السعر المعقول 600 ريال
وأشار الحماد إلى أن أسعار المتر المربع للبناء في السوق يصل إلى 900 ريال, مشيرا إلى أن السعر المعقول للمتر المربع لا يتجاوز 600 ريال, حيث يسعى بعض المقاولين إلى تحقيق رغبتهم في المزيد من الأرباح غير آبهين بما تشكله هذه الرغبة من انعكاسات سلبية على وضع الإسكان في البلد.
وذكر الحماد أن تثقيف العامة والمهندسين والمقاولين المعماريين مطلب ضروري من خلال عمل الندوات المتخصصة وورش العمل في هذا الجانب, وتعريفهم بمفاهيم البناء الاقتصادي، وهذا ما نقوم به كأساتذة مختصين في الهندسة المعمارية في الجامعات السعودية ولكن يبقى دور الإعلام كبيرا وجوهريا في إيصال ونشر مفاهيم البناء الاقتصادي لأكبر شريحة من المجتمع.
وأكد الحماد أن أبرز معوقات البناء الاقتصادي تتمثل في الغلاء الفاحش وغير المبرر في الأراضي وهذه المشكلة تعوق نسبة كبيرة من الراغبين في الحصول على أرض لبناء مسكن عليها, إضافة إلى جشع بعض تجار مواد البناء حيث يقومون برفع أسعار المواد كل ما زاد الطلب عليها.
وأوضح أن الدولة لها دور كبير في حل مشكلة الإسكان من خلال منح المواطنين أراضي للقيام بالبناء عليها, حيث إن الأسعار الحالية للأراضي مرتفعة خاصة في المدن الرئيسية والمحافظات ذات الخدمات المتكاملة ما تسبب في إحجام البعض عن الشراء, مضيفا أن عدم القدرة على تحمل تكاليف الأرض تعدى محدودي الدخل ليصل إلى متوسطي الدخل وهذا أمر ينبغي الانتباه له وإيجاد الحلول قبل تفاقم الأزمة.