رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


قطاع الطاقة.. الإهمال والاستثمار

أكد نائب وزير الكهرباء الدكتور صالح العواجي، ما كان يتداول بين الكثير من المراقبين عن استهلاك حثيث للنفط ولقطاع واحد (الكهرباء). فقد ذكر أن استهلاك المملكة لهذا القطاع يبلغ 1.5 مليون برميل يوميا وسوف ينمو هذا الاستهلاك بنسبة 5.25 في المائة تراكمية ليصل إلى 2.5 مليون برميل يوميا في عام 2020. ومما زاد التصريح غموضا هو دعوته إلى تقليل الاعتماد على الغاز على حساب النفط. لا أدري هل هذا التصريح محاولة لوصف حالة قائمة ليس للوزارة دور يذكر فيها أم أنها سياسة الوزارة وبتنسيق مع جهات اقتصادية فاعلة لتوفير الغاز للصناعة البتروكيماوية، وبالتالي استخدام النفط لتوليد الكهرباء؟
قبل الدخول في المفاضلات التي في صلب القرار الاقتصادي دعنا نسترجع بعض الحقائق:
الحقيقة الأولى أن كمية الغاز المتوافرة لا تكفي لكي تستمر المملكة كأكبر مصنع للبتروكيماويات الأساسية وفي الوقت نفسه تستخدم الغاز لتوليد الكهرباء في ظل نمو استهلاك الكهرباء 7 في المائة سنويا. الحقيقة الثانية أن الغاز هو الأنسب لتوليد الكهرباء اقتصاديا وبيئيا، فهو أكثر فاعلية للتوليد وأقل تكلفة في الصيانة وأكثر نظافة بيئيا، خاصة في ظل التوجه العالمي للحد من ثاني أكسيد الكربون. والحقيقة الثالثة أن الغاز أصبح أقل تكلفة من النفط نسبيا، (تغير التوازن سعريا بين السلعتين في السنوات القليلة الماضية وقد أشرنا إليها في مقالة سابقة). الحقيقة الرابعة هي أن استهلاك 2.5 مليون برميل سوف يكون لقطاع واحد فقط – الكهرباء، إذ إن هناك مصادر استهلاك أخرى، خاصة في قطاع المواصلات وحتى الماء والتهريب نظرا للفجوة بين الأسعار المحلية والإقليمية، مما يجعل التهريب عملية اقتصادية مغرية. الحقيقة الخامسة أن النفط هو مصدر تمويل الميزانية، فكلما استهلكنا هذا المصدر لخدمات مدعومة مهما كانت أهميتها ضاقت المرونة المالية، وبالتالي الاقتصادية في المملكة، فاستهلاك النفط داخليا يأتي على حساب تصديره وجني العوائد المالية. الحقيقة السادسة أنه مهما قيل عن كمية المخزون النفطي والقدرة على الإنتاج إلا أننا لا نستطيع التهرب من حقيقة أقوى: الوقود الأحفوري محدود وناضب.
في ظل هذه الحقائق، لا أدري هل نسدي الشكر للدكتور العواجي على الإيضاح والشفافية أم نندب حظنا بهذه المنظومة غير الاقتصادية، وبالتالي غير القابلة للاستمرار؟
- ما الحل؟
في الصفحة نفسها من الجريدة ذكر محافظ الهيئة العامة للاستثمار أن حصة دول الخليج من الصناعة المرتبطة بالطاقة تبلغ 3 في المائة فقط بينما لدى منطقة الخليج 40 في المائة من النفط و23 في المائة من الغاز. وهنا نقطة التقاطع بين الاستهلاك والاستثمار وبين الحاجة إلى سياسة طاقة وبين التراخي والاستسلام التدريجي الحثيث للعادة والزمن وقلة الحماس لمواجهة الحقائق العنيدة. الحل الاقتصادي يقع في ثنايا المفاضلة الدقيقة ورسم الخط البياني الذي يعطي الحقائق الآنفة الذكر حقها لكي نصل إلى سياسة اقتصادية واضحة في قطاع الطاقة.
استبعاد تعديل الأسعار كإحدى أدوات سياسة طاقة شاملة هو نوع من الضحك على الذقون، ولكن لا تقف الأمور هنا. فقدان التوازن في سياسة الطاقة له علاقة عميقة بنهجنا التنموي برمته. كذلك هناك فرصة للتكامل بين دول الخليج، فقطر على سبيل المثال لديها وافر من الغاز ولدى المملكة وافر من النفط. الأهم في المدى المتوسط أن سياسة الطاقة في المملكة تقوم اليوم على دعم الكل بكل شيء، فهي غالبا لا تفرق بين المواطن والأجنبي وبين الغني والفقير وبين الاستهلاك والاستثمار وحتى التصدير والتهريب (بدأت الفروق تتضاءل بينهما أحيانا) وبين الاقتصادي وغير الاقتصادي. ولذلك يصعب وصفها حتى بسياسة، بل هي أقرب إلى حالة من التكيف القصري والتهرب من استحقاقات المستقبل.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي