فقاعة عقارية
هل الارتفاعات الحادة في أسعار العقارات عامة، وفي بعض المدن والأحياء خاصة تعبر عن ازدهار أم أنها فقاعة كفقاعة الأسهم قبل نحو أربع سنوات؟ رأيان. وقد كتب عن هذا الموضوع أخيرا العشرات من المقالات في كل الصحف تقريبا. والقضية تحظى باهتمام كل فئات المجتمع. ويبدو لي أنها جزئي عن ازدهار ورسوخ وجزئي عن فقاعة في أسعار أراض، وليست في كل الأراضي وليست في تكلفة البناء.
وفقاعة العقار (وأحيانا يقال فقاعة الإسكان لسوق الإسكان) نوع من أنواع الفقاعات الاقتصادية، التي تحدث دوريا، سواء في الاقتصاد المحلي أو على المستوى العالمي. وعلامات فقاعة العقار حدوث ارتفاعات سريعة حادة في قيم العقارات، حيث تصل حدودا غير قابلة للبقاء والاستمرار، مقارنة بالموارد المتاحة (من دخول وسيولة وقدرة على الاقتراض ونحو ذلك). فإذا كانت الموارد المتاحة كذلك مقارنة بالأسعار، فإن انخفاض الأسعار سيتبع، لأن القدرة الشرائية ومن ثم الطلب لا يصمد. ويخلط بعض الناس بين الرغبات أو الحاجة والطلب. فمجرد الحاجة والرغبة لا تؤثر أو تبقى الأسعار مرتفعة دون وجود القدرة الشرائية والرغبة في الحصول على السلعة ووجود قدرة شرائية تحقق الرغبة أو الحاجة.
ويرى عدد كبير من الاقتصاديين أنه لا يمكن التعرف على الفقاعة العقارية عند حدوثها. ويختلف الاقتصاديون في الرأي حول الحاجة إلى تدخل الحكومات أو مدى نجاحه. وجزء من الخلاف يرجع إلى الأساس النظري في فهم الفقاعات، ومن ثم يحتدم النقاش. ففريق من الاقتصاديين يشكك في مدى حدوث فقاعات أصلا بالنظر إلى أن العقلانية تحكم تصرفات الناس.
بينا يرى اقتصاديون آخرون أن الفقاعة ممكنة، حيث نعيش في عالم يتسم بوجود معدلات فائدة حقيقية أقل من النمو الاقتصادي. وهذا الوضع يصنع الظروف المواتية لنمو فقاعة بصورة بطيئة، حيث ترتفع أسعار العقارات ولكنها لن ترتفع إلى حد أنها تتجاوز الناتج المحلي.
وللتعرف على الفقاعة العقارية طورت عدة مؤشرات مالية واقتصادية لتقييم الوضع والتعرف هل أسعار العقار مبالغ فيها أو لا. والمبالغة أو عدم المبالغة تفهم في إطار قدرة الأسعار على الصمود والرسوخ والاستمرار أخذا في الحسبان الموارد المتاحة.
من أهم المؤشرات قدرة الناس أو تحملهم الشرائي، وهذا المؤشر عبارة عن نسبة الأسعار إلى الدخول ضمن نطاق مكاني بعينه، ويمكن اشتقاق مؤشر من هذا المؤشر للتعرف إلى مدى قدرة الناس في دفع الدفعات المقدمة لشراء عقار بتمويل خارجي.
ومن المؤشرات قياس الديون إلى الدخول. ومن المؤشرات نسبة ملكية أو سعر العقار إلى الإيجارات أو العوائد من العقار، للتعرف إلى ما يستحقه العقار من قيمة، فهو يشبه مؤشر ربحية الأسهم إلى قيمتها.
في إطار الشرح السابق، يتساءل كثيرون على المستوى العالمي فيما إذا كان العالم مقدما على فقاعة. ما عسى هذه الفقاعة أن تكون؟ ذهب؟ أسعار العقار في الصين؟ أو ماذا؟
ويتوقع أن العقار في الصين يشهد فقاعة، ونظرا لتعاظم وزن الصين، فسيكون لذلك تبعات على اقتصاد العالم. وهناك فقاعة يعتقد أنها في طور التكون و/أو الانفجار وهي ديون الحكومات. وكانت هذه القضية مثار اهتمام إضافي للباحثين خلال الأسابيع الأخيرة. وقد بين التاريخ الاقتصادي لعشرات الدول (كما وثق ذلك أستاذا الاقتصاد روقوف ورينهارت) أن ارتفاع أسعار العقارات الذي كان وقوده الدين كثيرا ما يكون مقدمة لأزمة مالية، بينما لوحظ أن تضخم الدين الحكومي الحاد يأتي بعد الأزمات المالية.
ومن ثم يبدو أن من التحديات الكبيرة التي تواجه المستثمرين والمسؤولين الحكوميين القدرة على التعرف على خروج منظم كبير يتسم بالخطورة عن أساسيات الاقتصاد، ما يشكل مصدر خطر على استقرار الاقتصاد.
وفي إطار فهم مدى خروج الارتفاعات في أسعار العقار عن أساسيات السوق، نعرف أن المواد الأولية ومواد البناء وأجور اليد العاملة قد ارتفعت عالميا، ومن لنا أن نقول إنها الارتفاعات التي تشهدها سوقنا هي ارتفاعات متسمة بالاستقرار والاستمرار. أما من ناحية الطلب على الأراضي فتحيط بها الشكوك. ومن المهم ألا ننسى أن الطلب يعني في علم الاقتصاد الرغبة المدعومة بالقدرة الشرائية، وليس مجرد الرغبة أو الحاجة.
من الصعب القول بأن القدرة الشرائية لغالبية الناس تتيح لهم الحصول على أراض كما حصل لآبائهم. هناك تغيرات هيكلية في سوق العقار والإسكان تفرض على أكثرية الناس الاقتناع بمساحات أقل، مقارنة بما حصل في الطفرة السابقة طفرة السبعينيات، وما تلاها من تطورات في التخطيط العمراني، وتخطيط الأراضي.
ومن جهة العرض، من المتوقع أنه يعاني مشكلات، وتقييد العرض الإسكاني غير المباشر – مثلا عبر تحويل موارد عامة إلى استعمالات ذات أهمية أقل في نظر غالبية السكان، أو عدم استعمالها أصلا، مثل حبس مساحات من الأراضي عن الاستغلال - يؤدي إلى خسارة في صافي الرفاهة الاقتصادية. وللعقاريين تفسيراتهم لمحدودية عرض الأراضي. ومهما كانت التفسيرات، فإن الحد يرفع أسعار الأراضي.
ولكنه يلحظ وبصفة عامة ضعف الاستجابة من المعروض من المساكن إلى التغيرات في الطلب، ولهذا الضعف علاقة بمدى توافر وجودة القوانين المتعلقة بالعقار والسكن.
وبناء على ما سبق نتفهم لماذا وجدت تجاذبات وتفسيرات متعددة لما يجري في سوق العقار، والأمر في حاجة إلى مراجعة وتمحيص من طرف محايد، فهل تكلف هيئة الإسكان من يفعل ذلك؟ وبالله التوفيق،،،