رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


من خبـَّأَ البحرَ؟!

.. تشير الإحصائياتُ، ودوائرُ الصحةِ والعياداتِ النفسية إلى أن مرض الكآبةِ يزداد يوما يعد يوم. يعني، لما يقول الواحدُ منا أن «صدرَهُ ضيِّق» فهذا هو المعنى المحدّد والواجهة الأولى للقلق.
وأما لماذا يزداد القلقُ في الأماكن المحصورةِ في المدن ويقل في الأماكن المفتوحة؟ فهذا ما يثبته المسحُ السيكولوجي بأن الأماكنَ الضيقة التي ينكسر بها النظرُ، ولا تنطلق الرؤية للفسحة المفتوحة تسبب الضيقَ الذي يعصر الصدرَ، وكأنه يجفف هواءَ الرئةِ، ويمنع القلبَ عن الخفقان.
لذا، فإن الذين يقطنون الأماكنَ المفتوحة هم أقلّ الناس عرضة للكآبة. ولقد عُرِفَ البحرُ بأنه أكبر مواسٍ طبيعيٍّ ضد الكآبة، بمجرد أن تجلس أمام البحر بامتداده الأزرق الفسيح الذي يتلامس مع رحابةِ السماء، فإن هذا الرهوَ اللازوَرْدي سيكملُ المهمة بسحب نقعة الكآبة السوداءِ من قلبك ليرميها في لـُجَّتـِهِ العميقة، فتعود خفيفا، متحررا من غلاظة الكآبة، تحملك النسائمُ رهيفاً منتشياً بسبب أحد أكثر مناظر الكون روعةً وجلالا..
وأود أن تأذنوا لي بأن أنقل لكم من كتاب «شانترام»، للأسترالي «جريجوري دافيد روبرتز» هذا المقطع الرائع لغةً ووصفا وحالة شعور، وهو أمام البحر سادرا بالتأملِ قبالة ساحل منطقة «جوا» الهندية الساحرة .. (ترجمة ً):
«.. ثم نزلتُ من كوخي، قاصدا الشاطئ، وعلى بعد خمسين خطوةٍ فقط، تساويتُ متكئاً على كثيبٍ رملي بلون القطن المنثور، وانطلقت روحي محلقة من صدري. كان الوقتُ قريباً من منتصف الليل، والشاطئُ بدا عارياً مكشوفاً مهجوراً من المرتادين. والقمرُ في سبيلِهِ للاكتمال، وكأنه معَلـَّقٌ مثل ميداليةٍ من نور في نحْر السماء، أو إني كنت أراه من فرط شوقي المؤلم والحارق لمن أحب (وكان في رحلة بحثٍ عن حبِّهِ المفقود) وكأنه قلبٌ أرجواني مشعٌ بوهجِ احمرارِ الدم في عنق السماءِ المجللة بالسر الأكبر. أتعمق في غرقي التأملي، وضوءُ القمر يتمايل مع كل موجةٍ تكافح وتدور لتصل الساحل، فتعانق ترابَه، أو ترابُه يعانقها في تبادل عاطفي صاخب يملأ الدهرَ والزمان. وبدا كأن ضياءَ القمر ذاته هو الذي يدفع الموجَ إلى الشاطئ، أو كأن القمر جمع مياه بحر العرب بإنائه الفضي الهائل، ليميل على محوره ويصب البحرَ نحو الشاطئ.. موجةً وراء موجة. وسط هذه الروعة الفسيحة صفـَتْ نفسي، وترققتْ أشاعيري، ثم بلا شعورٍ مني رحتُ أردّد أغنيةً من أغاني الأفلام الهندية التي عملت فيها، وتبينَ أني حفظتها عن ظهر قلب من تعدد سماعي لها.. نسيتُ نفسي فانطلق صوتي محرِّرا آلامي وشوقي، ولم يكن في الساحل المهجور إلا طيفُ امرأةٍ محليةٍ تحمل على رأسِها سلة فاكهةٍ تتقافز خطاها رشيقة تلاعب الموجَ، وتتمايل تلقائيا برقصةٍ خفيفة مع صوتي. فجأة التفتُ.. ووجدتُ حبي بجانبي وكأن موجةً قمريةً أحضرتها لي..».
ولكن دعنا من الكاتب وحبه الذي مزّق فؤادَه العاشقَ شوقا وعذابا، ولنفكر في أنفسِنا نحن. فإني تصورتُ أن واحداً منا ضاقَ صدرُه رغم كل محاولاته في إضافة وصلات سعة إلى صدره، إلا أن مجريات يومه وحياته، وأحداثِهِ المحيطة، ومسؤولياته، وظروفه المتعاقبة، والضغوط تنهال عليه من كل فجوةٍ من شبكة حياته.. قرر أن يعاود طبيبا نفسيا، وبالفعل شكا للطبيب النفسي مواجعَ صدره، ونصحه الطبيب أن يقابل البحرَ ويتأمله ويتحدث مع موجاتِهِ، ثم لينظر إلى صفحة السماء وما عُلـِّقَ بها من مصابيح مضيئةٍ على لوحةٍ سوداءٍ بلا نهاية.. وسيعود بعد ذلك خفيفا مرحا، وقد نضى عنه قلقـَهُ الذي أفضى لكآبتِهِ..
ولما خرج هذا الموسومُ بالقلقِ، رافقه الطبيبُ إلى الباب، ثم رد الباب وراءه، وتنهَد تنهيدة عميقة تدل على كآبةٍ مزمنةٍ (عند الطبيب أيضا!).. وقلّب في خاطره: «مسكين، ولكن أين سيجد مريضـُنا البحرَ؟!»
لما راح صاحبنا ليقابل البحرَ، لم نعرف أنه عاد حتى الآن..
لقد بحث عن البحر بين المنشآت، والمشاريع «السياحية!!» والدورِ المنيفة، والإقطاعات الخاصة، ولم يجده، يا الله، لقد اختبأ البحرُ..
.. لا، لا.. لقد خـُبـِّئ البحرُ!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي