العمل البلدي ومفهوم الإدارة المحلية (1 من 2)
عقد في الأسبوع الماضي اللقاء الدوري التاسع لرؤساء البلديات في منطقة الرياض، وقد وفق القائمون عليه في اختيارهم التركيز على موضوع ''أساليب تطوير المدن المتوسطة والصغيرة بمفهوم الإدارة المحلية''. اللقاء الذي عقد في محافظة المجمعة، بالتعاون مع مركز الأمير سلمان للإدارة المحلية، في جامعة الأمير سلطان، يأتي امتدادا لسلسلة من اللقاءات الدورية تقوم بها أمانة منطقة الرياض تعقد كل عام في إحدى محافظات المنطقة. فكرة هذه اللقاءات الدورية، فكرة رائدة ومبادرة مهمة يقف وراءها ويتبناها ويدعمها سمو أمين منطقة الرياض الأمير الدكتور عبد العزيز بن محمد بن عياف، وهي بلا شك مبادرة جديرة بالاهتمام والمتابعة والتطبيق في مناطق أخرى من البلاد. والحقيقة أن سموه كأحد أبرز قيادات العمل البلدي، أسس لنهج إداري عملي يعتمد على الإبداع والعمل المشترك والشفافية والتواصل مع المجتمع، وسر تميزه أنه من القلائل الذين يجمعون بين النظرية والتطبيق وامتلاك قدرة فائقة على عرض التجربة العملية في إطار نظري واضح المعالم وطرح أفكار جديدة بطريقة مرتبة وأسلوب سلس ومتسلسل بوعي كامل لأبعاد القضية يساعده على ذلك ثقافته العميقة واطلاعه الواسع وتواصله مع الواقع وكرم خلقه وتواضعه الجم وحبه لخدمة الناس، ودراية علمية تخصصية وعملية تطبيقية في إدارة المدن تمتد ما يقارب عقدين. الحديث هنا ليس شخصيا كما يبدو للوهلة الأولى، وإنما جزء من الحديث عن الإدارة المحلية، إذ إن الممارسين هم عناصر التغيير وهم من يشكل الواقع الإداري ويصنعون المستقبل ليقوم الأكاديميون والباحثون باستشفاف التجربة ووصفها وتأطيرها وبناء النظرية وصياغتها لتسهم في تطوير الواقع وليسهل التنبؤ بالمستقبل. لذا كانت مداخلة سموه حول التمويل المحلي مهمة وضرورية في تطبيق نهج الاستقلال المالي والإداري للبلديات وتنم عن إلمامه العميق بالوضع الإداري والمالي البلدي وحرصه على مواجهة الطلب المتزايد على الخدمات البلدية كما ونوعا وجودة.
تتلخص فكرة سموه في الربط بين النمو الاقتصادي والسكاني للمدينة وما يتبعه من زيادة في الطلب على الخدمات وضرورة العمل على زيادة عوائد البلديات خاصة في المدن الكبيرة عبر الحصول على جزء من نسبة الدلالة العقارية فالبلديات أحق بجزء من هذه النسبة (نصفها أو أكثر) لما تقدمه من خدمات عامة تسهم في رفع قيمة العقار مقارنة بالخدمات التي يقدمها المسوقون والوسطاء العقاريون، التي لا تتطلب مشقة تذكر أو تكلفة كبيرة. هذا الطرح في غاية الأهمية خاصة في تطوير آليات وأدوات المالية العامة بتحقيق الموازنة بين المدخلات والمخرجات ورفع مستوى الكفاءة والفاعلية في عملية صنع القرار العام وأسلوب توفير الخدمات العامة، إذ نجد في ظل الفصل القائم بين جهة التمويل ممثلة بوزارة المالية وجهة الإنفاق ممثلة بالأجهزة التنفيذية الحكومية انعدام العلاقة بين التكلفة والعائد وهو مدعاة إلى الصرف من أجل الصرف. هذا أمر مشاهد خاصة في نهاية كل عام مالي عندما تتسابق الجهات الحكومية على تصريف (ولا أقول صرف) ما تبقى في ميزانياتها السنوية. كما أن المقترح يكتسب أهمية كآلية لإعادة توزيع الدخل، وبالتالي سيسهم هذا الدخل الإضافي للبلديات في توفير خدمات أكبر وأسرع لجميع أحياء المدينة خاصة تلك الأقل تنمية. كما يحمل المقترح رسوما على الأنشطة التجارية التي تتطلب متابعة ورقابة صحية لضمان مستوى جيد للخدمات التي تقدمها كما في حال المطاعم. الأهم أن ليس هناك رسوم مباشرة على سكان المدينة وإنما، وكما أشار إليه سمو الأمين عدة مرات وأكده، هي رسوم للسكان، لينعموا بخدمات أكثر تحقق رضاهم وتستجيب لمتطلباتهم تماما كما في حال إنفاقهم على السلع والخدمات الخاصة. إن تطبيق مقترح سمو الأمين قد يكون فتحا جديدا في التنمية المحلية وتطويرا لاقتصاديات المدن والقضاء أو التخفيف من مشاكل كثيرة مثل البطالة والإسكان والجريمة.
الحديث عن تطبيقات مفاهيم الإدارة المحلية في العمل البلدي أمر في غاية الأهمية، ليس كونه ينقل الأداء البلدي إلى مستوى أعلى من الكفاءة والفاعلية وحسب، وإنما كونه يؤكد قضية أساسية وجوهرية في أن صناعة القرار البلدي لا يمكن اختزالها في دائرة ضيقة من المعايير الفنية الهندسية والإجراءات الإدارية البيروقراطية. والحقيقة أن المجتمعات المحلية السعودية أصبحت اليوم أكثر نضجا ودراية وفي الوقت ذاته أكثر تعقيدا ما يتطلب نهجا إداريا يتيح الفرصة للمشاركة في صناعة القرار المحلي بما يحقق مصالحهم الآنية وتطلعاتهم المستقبلية. ومن هنا فإن القرارات التخطيطية الحضرية هي قرارات تشريعية توجيهية تؤثر في مصالح شريحة كبيرة من سكان المدينة في المقام الأول، قبل أن تكون فنية بحتة، فأنماط التنمية المحلية، تشعبات استخدامات الأراضي، والخدمات والمنافع العامة على سبيل المثال لا الحصر سياسات عامة تتطلب تحديدها اجتماعيا وعلى أساس الرأي العام المحلي.
ما يزيد من أهمية تناول العمل البلدي من زاوية الإدارة المحلية هو وقع التغيرات السريع والمتنامي، الذي يتطلب من الإدارة البلدية القدرة على الاستجابة بالمعدل ذاته وتحقيق متطلبات المجتمع المحلي. إن التحديات والمستجدات التي تواجه المدن كبيرة وعظيمة على الساحتين الداخلية والخارجية، فالطفرة العمرانية والحضرية التي تشهدها المدن السعودية واتساع مساحاتها وتضاعف أعداد سكانها وتغير أنماط الاستهلاك وارتفاع سقف التوقعات تحتم إعادة النظر في الهيكل الإداري وتطوير أسلوب صناعة القرار المحلي. لقد أصبحت المدن تواجه كثيرا من التحديات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وبالتالي لم يعد بالإمكان الاستمرار في النهج ذاته في إدارة المدن مركزيا وبيروقراطيا، وهذا ما أثبتته كارثة فيضانات جدة الأخيرة. إن صناعة القرار ذي الشأن المحلي محليا بمنح البلديات القدرة، ليس في إدارة المجتمعات المحلية ومعالجة المشاكل قبل أن تستفحل وتتحول إلى مشكلة وطنية يصعب معالجتها وحسب، ولكن رسم مستقبل المدينة حسب رؤية سكانها وتطلعاتهم. نواصل الحديث عن اللقاء ونعرض لرؤية بلدية المجمعة 1450هـ مدينة المستقبل وجهود المهندس أحمد التويجري وكيل الأمين لشئون المناطق في إنجاح اللقاء وتحقيق أهدافه في الأسبوع القادم بمشيئة الله.