أهداف خطة التنمية التاسعة وقطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة
كما هو معلوم أن مجلس الوزراء أقر خلال جلسته التي عقدها برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ـ حفظه الله - يوم الإثنين 20 ربيع الآخر في الرياض, الأهداف العامة لخطة التنمية التاسعة (1431/1432هـ - 1435/1436هـ)، وذلك بعد النظر في قرار مجلس الشورى رقم 81/54 وبعد توصية اللجنة الدائمة للمجلس الاقتصادي الأعلى رقم 64/29. وهذه الأهداف العامة شملت قضايا متعددة تتضمن الاستمرار في الالتزام بالثوابت والهوية الإسلامية والوطنية، والتأكيد على قضايا تتعلق بالتعليم وحقوق الإنسان وتنمية الاقتصاد المعرفي وغيرها من القضايا التي تطلع إلى التطوير والاستمرار في النمو لتحقيق التنمية المستدامة، وتوفير فرص أكثر لتحقيق الاستمرار في تحسين مستوى المعيشة بين أفراد المجتمع وغيرها.
كما تناولت الأهداف العامة لخطة التنمية التاسعة قضية مهمة تتعلق بتطوير قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة، لزيادة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي، واستحداث الأطر لرعايته وتنظيمه. والحقيقة أن مسألة دعم المنشآت المتوسطة والصغيرة أمر مهم، خصوصا بعد الانفتاح العالمي في المجال التجاري، ووجود منظمة التجارة العالمية التي تعد المملكة عضوا مهما فيها، والشركات الكبرى العابرة للقارات، التي توسعت إلى درجة لم يصبح لها فعليا جنسية محددة. كل ذلك صعب من ظروف الشركات والمنشآت المتوسطة والصغيرة, إذ إنها لا تستطيع فعليا منافسة الشركات الكبرى والتفوق عليها في ظل امتلاك هذه الشركات الكبرى فرصا تنافسية أفضل.
ولعل الأمثلة على ذلك كثيرة, وذلك واضح في قطاع التجزئة سواء على مستوى المنتجات الغذائية والزراعة والملابس والأثاث وغيرها. ولذلك أصبح في كثير من الأحيان من المجازفة الدخول في مثل القطاعات السابقة دون دراسة محسوبة. وبناء عليه فإننا نجد أن كثيرا من دول العالم اليوم تسعى إلى تعزيز فرص دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وربما لا يقتصر الأمر على التمويل, بل إيجاد الأنظمة والتشريعات التي تدعم هذا القطاع. ولذلك تجد من أسباب بعض الخلافات بين الأعضاء في منظمة التجارة العالمية مسألة دعم المشاريع الوطنية، التي يعد جزءا كبيرا منها قائما على المنشآت الصغيرة والمتوسطة، مثل دعم القطاع الزراعي في بعض دول أوروبا، رغم أن هذا يتناقض أحيانا مع مبادئ التنافسية، وفتح الأسواق بين الدول الأعضاء.
ولذلك اهتمام الأهداف العامة لخطة التنمية التاسعة بهذه القضية أمر مهم, فهي تفتح مجالا واسعا لفرص عمل للقوى العاملة الوطنية، وتزيد من مستوى الإنتاجية، نظرا لأن الذي يمتلك المشروع فإنه سيسعى إلى تحقيق العوائد حتى إن كان في ذلك شيء من المشقة، والعمل لساعات أطول، ومن المعلوم أن الغالب في الإنسان الحرص أكثر في العمل الذي ينفرد بعوائده كاملة.
ولعل من المناسب الإشارة إلى قضية مهمة في جانب تعزيز هذا القطاع من جهة التمويل. حيث إنه ـ كما هو معلوم ـ النمط الشائع للتمويل بأسلوبه التقليدي هو الإقراض بفائدة، أما على مستوى المؤسسات التي تقدم التمويل بالطرق المتوافقة مع الشريعة فإنها تلجأ غالبا إلى المرابحة ومشتقاتها.
لكن في مثل هذه المشاريع فإنه وبسبب حدة المنافسة على المستوى العالمي، ووجود الشركات الكبرى، وإقبال الكثير على الاستثمار، فإن احتمالات المخاطرة عالية على قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتمويل هذه المشاريع بعقود مثل الإقراض بفائدة أو المرابحة سيزيد من نسبة المخاطرة، نظرا لأن حصول الخسارة في هذه الحال سيزيد من العبء على المؤسسة لتغطية ديونها التي تتعاظم بشكل مستمر، بل إن هذه المؤسسات تعد خاسرة حتى إن حققت أرباحا أقل من معدل الفائدة أو الربح المفروض عليها. إضافة إلى أن الجهات الممولة في هذه الحالة قد لا تهتم كثيرا بنجاح هذه المؤسسات أو أن تحقق الأرباح الكبيرة، لكن الأهم لديها الحصول على الضمانات لاستيفاء التمويل أو الدين في حال عجز المؤسسة عن السداد.
لكن هناك عقدا مهما في الفقه الإسلامي، ويعد استخدامه فعليا قليلا على مستوى المؤسسات المالية المتوافقة مع الشريعة، وهذا العقد هو عقد المضاربة. حيث إن هذا العقد يعتمد على مشاركة الممول للمؤسسة أو المشاريع الصغيرة والمتوسطة في الربح والخسارة وبالتالي تحمل المؤسسات الممولة جزءا من الربح أو الخسارة سيسهم في أن تدخل المؤسسات الممولة كطرف مهم ومؤثر في عملية دراسة الجدوى لهذه المشاريع، وقياس احتمالات نجاحها وتحقيقها العوائد، كما أنها من الممكن أن تدخل طرفا في عملية دعم مؤسسات قائمة كشريك ممول للتوسع في أعمالها بما يزيد من فرص نجاح هذه المؤسسات واستمرارها. خصوصا أن الجهات الممولة, وهي البنوك غالبا, لديها من الخبرة والكفاءة لدراسة جدوى المشاريع ومراقبة انضباطيتها، والمساعدة على تحسين كفاءتها الإدارية.
ولعل ما يقلل فرص تقديم مثل هذا النوع من التمويل, الذي ينبني على المشاركة، هو قلق المؤسسات المالية من حجم المخاطرة الذي يكتنف الشركات عموما. والحقيقة أنه ينبغي إعادة النظر في طريقة حساب المخاطر فيما يتعلق بالتمويل المبني على المشاركة أو المضاربة. والسبب في ذلك أن قياس المخاطر ينبني على أساس المخاطرة التي تحصل في مشروع واحد أو مشاريع محدودة، وهذا من الطبيعي أن تكون مستوى المخاطرة فيه عاليا. لكن إذا ما تم حسابها بشكل آخر وهو على أساس أنها مشاريع تتجاوز أعدادها المئات, فينبغي أن يتم حسابها بالآلية التي يتم بها حساب المخاطر في التأمين. إذ لو أن شركات التأمين تمارس التأمين على شخص واحد فقط لكان مستوى المخاطرة لديها عاليا جدا، لكن وصول المؤمنين لديها إلى أعداد تصل إلى الملايين يجعل مستوى المخاطرة ضئيلا جدا. ولذلك فإن دعم مسألة تمويل المشاريع المتوسطة والصغيرة من خلال عقد المضاربة سيكون حافزا لنجاح هذه المشاريع واستمرارها على المدى الطويل، وتحقيق التنمية المستدامة في المجتمع ـ بإذن الله.