الفتوى والإعلام والإسلام (6)
وعدنا قراءنا الكرام العودة إلى قصة عبد المطلب كما وردت في السيرة. والقصة تسبق الوحي، وهي حديث من أحاديث العرب الجاهليين وأخبارهم. والقصص القديمة لم يكتبها أصحابها وشخوصها. كتبها آخرون. أضافوا إليها، اختصروها، زادوا في تشويقها وإثارتها. سنجافي الحقيقة إن قلنا إن القصص القديمة لأي شعب تم حفظها كما هي.
وهذه القصص لم تأت كي تبقى كما هي دون تبدل. اللغة كائن حي، تتطور وتتأقلم وتستجيب للبيئة والمحيط كالإنسان. فالناس اليوم لا تستمتع ولا تتذوق الشعر الجاهلي مثل تلذذها بالشعر الحر أو الشعر الشعبي مثلا. والناس أيضا تواجه صعوبة في قراءة وفهم الأدب القديم بأشكاله المختلفة، لذا وجب إعادته لهم بحلة جديدة مع الحفاظ على جوهره وماهيته.
وفيما يخص السيرة أود التركيز على نقطة جوهرية لها علاقة مباشرة بالإسلام في عصر اليوم. يريدنا البعض أن نحتكم إلى العقل في كل ما يتعلق بالسيرة وأخبارها وأحاديثها قبل الإسلام وبعده. هؤلاء يعتقدون أن العقل كل شيء وأن أي أمر لا يتطابق مع التفكير العلمي السليم يجب مقاومته لا بل إزالته. هذا منحى خطير لأن أصحابه يريدون تطبيقه على التراث الإسلامي فقط ويتجنبون الحديث عما يخالف العقل إن في التوراة أو الإنجيل أو أي كتاب أو منهج ديني آخر. ينسى هؤلاء أن الاحتكام إلى العقل وأساليب البحث العلمي في العصر الحديث ينسف أول ما ينسف اليهودية والمسيحية. تركيزهم على الإسلام مسألة إيديولوجية وسياسية بامتياز.
العقل ليس كل شيء في حياة الإنسان. نحن بشر ولسنا معادن مثل الحديد والذهب والفضة والرصاص وغيرها. عقلنا قد لا يطمئن إلى كثير من التقاليد والأساليب والممارسات الحياتية التي نقوم بها كل يوم. وعقلنا اليوم يشمئز مما كنا نمارسه ونقوم به قبل عقود أو سنوات قليلة. قلوبنا وصدورنا مملوءة من العواطف والمشاعر والأخيلة والميول مما يحير عقولنا. من هذا المنطلق أقرأ السيرة وأرى أن حاجتي إليها أكثر من حاجتي إلى أي كتاب جديد.
عاش عبد المطلب في زمان كان فيه قومه في رغد من العيش ونعيم الماديات التي كانت تتيحها لهم وثنيتهم السهلة. إن ضاقت الدنيا في وجوههم سألوا أصنامهم ورددوا سجع كهانهم أو طلبوا منهم حل معضلاتهم بضرب الأقداح، وهو لعب قمار أو أسلوب «حظ يانصيب» بدائي.
وابن هاشم هذا كان أول من دشن التمرد على النظام الذي كان سائدا في مكة ولا سيما علاقة الإنسان مع الآلهة. كان عبد المطلب يقدس الكعبة ومسجدها لكن كانت تراوده شكوك عن دور كهانها وأصنامها. وعندما ألح عليه الطيف الذي رآه عدة مرات في المنام باحتفار بئر وأخذت الوساوس والأفكار تقلقه رفض الذهاب إلى الكاهن والبوح بأسراه. وتقرب إلى الكعبة وآلهتها دون وسيط وبدأ بتقديم الأضحية وإطعام الفقراء وغير الفقراء. وسرعان ما لحق به أقاربه من بني هاشم. وحدث ما حدث، حيث هب أشراف قريش إلى باحة المسجد لتقديم قرابينهم ومشاركة عبد المطلب في إطعام المعوزين والجائعين.
ورويدا رويدا استوعب ابن هاشم ما كان الطيف يريده منه. وبدأ عبد المطلب تنفيذ أمور تفوق في عسرها وصعوبتها متطلبات الوثنية السهلة. شرع مع ابنه بحفر بئر زمزم تلبية لصوت غريب. بدأ عبد المطلب استيعاب إيحاء وإلهام أتاه من حيث لا يدري وفضله على سجع الكهان. ولنا أن نقدر العمل الجبار الذي قام هو وابنه به. لم يحتفر عبد المطلب بئرا في أطراف مكة بل في مسجدها الحرام ولم يكترث بما سيقوله أو يفعله أشراف قريش الذين كانت تهابهم القبائل العربية إن في الجزيرة أو أطرافها.
وكان أهل مكة من قريش وبني عبد مناف وبني أمية وغيرهم يعتقدون أن ابن هاشم فيه مس من الجنون وإلا لما ترك تجارته وأهلك نفسه وابنه في أمر لم يقدم عليه غيره ولن يجلب له غير المذلة. وكم كانوا مخطئين. وما هي الأيام حتى حطت معاولهما على كنز من الذهب وسلاح من السيوف والدروع. وسال لعاب قريش وأخذت تزاحمه. واعتقد ابنه وزوجه وأهله من بني هاشم أن عبد المطلب سيترك حفر البئر ويستأثر بالكنز ويصبح من أغنى أغنياء مكة، إلا أن عبد المطلب لم يكترث للذهب والسلاح ووضع كل ما عثر عليه أمام أقدام الكعبة ومضى هو وابنه يحفران ويحفران.. ولنبق معهما وهما يعملان معوليهما في أرضية البئر التي درّت عليهما ذهبا وسلاحا ولم يكترثا به ونعود إليهما في الجمعة المقبل وهما يلبيان طلب الضمير وليس مراد الكهان وسجعهم.