الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط وغرب إفريقيا ينافس الغاز من المصادر غير التقليدية
لقد كان للتقدم التكنولوجي أثر كبير في خفض تكاليف استخراج الغاز من المصادر غير التقليدية، خاصة من السجيل الغازي Shale Gas. وكانت النتيجة طفرة كبيرة في هذا المجال وزيادة في إنتاج الغاز من المصادر غير التقليدية, وبالذات في الولايات المتحدة، حيث إن إنتاج الغاز من السجيل الغازي شهد زيادة كبيرة ابتداء من عام 2007. ويمثل الغاز المنتج من هذه المصادر اليوم أكثر من 50 في المائة من مجموع الإنتاج المحلي الكلي للغاز في الولايات المتحدة، حسب إحصائيات وزارة الطاقة الأمريكية US Department of Energy. هذا ويتوقع كثير من الدراسات في هذا المجال استمرار النمو في كميات الغاز المنتجة من المصادر غير التقليدية في السنوات المقبلة، حيث تشير هذه التوقعات إلى أن إنتاج الغاز من هذه المصادر ربما يمثل أكثر من نصف الطاقة الإنتاجية الأمريكية للغاز في نهاية العقد المقبل.
إن آثار ازدهار إنتاج الغاز من السجيل الغازي في الولايات المتحدة بدأت بالانتشار بسرعة إلى الأسواق العالمية. حيث إن مع زيادة الإنتاج بمقدار ثمانية أضعاف على مدى العقد الماضي، السجيل الغازي أدى إلى انخفاض أسعار الغاز في أمريكا الشمالية وانخفاض الواردات من الغاز الطبيعي المسال ومن خطوط أنابيب الغاز القادم من كندا. ذلك أن في السنوات الخمس الماضية، أدى ارتفاع إنتاج الغاز من السجيل الغازي محليا إلى زيادة إجمالي إنتاج الولايات المتحدة من الغاز بمعدل 3.9 في المائة سنويا. في الوقت الحاضر هناك شبه إجماع على أن موارد الولايات المتحدة من الغاز كافية لسد حاجتها لمدة تزيد على 100 سنة، إذا لم يكن أكثر. هذا يعني أن الولايات المتحدة لن تكون في حاجة إلى الغاز الطبيعي المسال، وهذا الاحتمال يثير قلق الشركات التي تملك المحطات الطرفية لاسترجاع الغاز داخل البلاد.
الاحتياطي الغازي القابل تقنيا للاسترداد من موارد السجيل الغازي في الولايات المتحدة يقدر بنحو 347 تريليون قدم مكعبة، حسب السيناريو المرجعي لعام 2010 لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية EIA . هذا الرقم أعلى من تقديرات العام الماضي فقط بنحو 80 تريليون قدم مكعبة. كما إن إنتاج الغاز المتوقع عام 2010 من هذه الموارد حسب المصدر نفسه يقدر بنحو 7.3 مليار قدم مكعبة يوميا، وربما تصل إلى نحو 12 مليار قدم مكعبة يوميا عام 2020. إن واردات الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي المسال عام 2009 بلغت في المتوسط نحو 1.2 مليار قدم مكعبة يوميا، في حين أن المملكة المتحدة وبلجيكا والصين قامت باستيراد كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال. حيث إن معظم الإنتاج القطري الجديد تم توريده إلى أوروبا, ومعظم الشحنات الفورية لحوض المحيط الأطلسي أرسلت إلى أوروبا أو آسيا أو أسواق جديدة مربحة في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط.
لكن هذا الوضع ربما يتغير في هذا العام تغيرا كبيرا, حيث يجمع معظم المحللين في هذا المجال على أن الغاز الطبيعي المسال سيتدفق إلى الولايات المتحدة بصورة كبيرة إذا ما كانت هناك حاجة أو لم تكن، حيث إن من المتوقع أن تقفز الطاقات العالمية لتسييل الغاز الطبيعي بنحو 40 في المائة. ذلك أن الركود الاقتصادي وانخفاض الطلب على الغاز، وسعة التخزين المحدودة وتقيد الأسواق بسبب التزامات الشراء طويلة الأجل، كل هذه العوامل ستحد من إمكانية أوروبا على استيعاب كميات إضافية من الغاز الطبيعي المسال أكثر مما كانت عليه في العام الماضي، لكن هذا ممكن بالنسبة للولايات المتحدة، للأسباب التي سيأتي ذكرها لاحقا.
في هذا الخصوص من المتوقع أن يشهد موسم الصيف المقبل تدفق كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال إلى خليج المكسيك، حيث إن الإمدادات المتدنية التكلفة من الشرق الأوسط وغرب إفريقيا تبحث عن أسواق لطاقاتها الجديدة، بانتظار توسع الأسواق الأوروبية والآسيوية, خصوصا الأسواق الصينية. من المتوقع أيضا أن تتدفق كميات كبيرة إلى الموانئ في شمال شرق الولايات المتحدة وشرق كندا خلال فصل الشتاء المقبل، ما قد يساعد على خفض الأسعار في تلك المناطق.
نتيجة لهذه التطورات ربما يشهد النمو الكبير في إمدادات الغاز من المصادر غير التقليدية, خصوصا من السجيل الغازي بعض التراجع في المستقبل القريب أو في أحسن الأحوال سيحافظ الإنتاج على معدلاته الحالية، بسبب المنافسة مع الغاز الطبيعي المسال المتدني التكلفة القادم من الشرق الأوسط وغرب إفريقيا واستمرار استخدام الفحم في قطاع الطاقة الكهربائية.
في الولايات المتحدة حاليا إنتاج الغاز من المصادر غير التقليدية أقل تكلفة من إنتاج الغاز من المصادر التقليدية، حيث التطور التكنولوجي مثل تقنيات الحفر الأفقي وتقنيات التكسير Fracturing Techniques الحديثة، ساهمت في خفض تكاليف الحفر وتكاليف عمليات إكمال الآبار إلى أقل من أربعة دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية من نحو خمسة دولارات لكل مليون وحدة في العام الماضي فقط. في حين تكلفة إنتاج الغاز في الولايات المتحدة من المشاريع الهامشية الأكثر تكلفة marginal cost projects، من المصادر التقليدية باستخدام الآبار العمودية في حدود ستة دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. عندما انخفضت أسعار الغاز في أمريكا في كانون الثاني (يناير) 2009 إلى ما دون خمسة دولارات لكل مليون وحدة حرارية من نحو ستة دولارات لكل مليون وحدة حرارية، انخفضت عمليات الحفر بشكل كبير جدا، ولم تتحسن إلا في منتصف العام وحصريا في بعض مشاريع السجيل الغازي الجيدة. مع زيادة عدد الحفارات الأفقية العاملة لتسجل رقما قياسيا جديدا بحدود 700، أي نحو 50 في المائة من مجمل عدد الحفارات العاملة في الولايات المتحدة، هناك توافق كبير بأن منتجي الغاز من مصادر السجيل الغازي يمكنهم التشغيل بصورة اقتصادية حاليا بأسعار أقل.
لكن حتى هذا الخفض في التكاليف لا يمكن أن ينافس تكاليف الغاز الطبيعي المسال, حيث إن المشاريع الجديدة الضخمة لتسييل الغاز في قطر مثلا يمكن أن تحقق ربحا للغاز الطبيعي المسال المصدر إلى الولايات المتحدة عند سعر للغاز بين 2 و2.5 دولار لكل مليون وحدة حرارية، ذلك بفضل المبيعات المربحة من السوائل الهيدروكربونية المصاحبة لعمليات الإنتاج، وحجم المشاريع الجديدة العملاقة الذي يساعد هو الآخر على خفض التكاليف وتحسين اقتصاديات المشروع. حيث إن معظم دول الشرق الأوسط تستخدم 3.50 دولار لكل مليون وحدة حرارية سعرا مرجعيا للغاز عند القيام بالتخطيط لمشاريعها.
لذلك الشركات والمستثمرون في موارد السجيل بدأت في سلسلة من الصفقات أخيرا بالتركيز والبحث عن مصادر السجيل الغنية بالنفط وسوائل الغاز الطبيعي بدلا من السجيل الغني في الغاز. الشركات في السنوات الأخيرة ركزت على إنتاج الغاز الطبيعي، حيث إن التقدم في التكنولوجيا مثل الحفر الأفقي وعمليات التكسير الهيدروليكية سمح لهم بالاستفادة من الغاز الطبيعي المحصور في تلك التكوينات الصخرية. لكن هذه الشركات تتطلع الآن إلى الاستفادة من الخبرة التي اكتسبتها من إنتاج الغاز الطبيعي من السجيل الغازي للتنقيب عن النفط في التكوينات الصخرية المماثلة، كون إنتاج النفط وسوائل الغاز الطبيعي يوفر ربحية أفضل في الوقت الحاضر. تاريخيا، النفط الخام كان يتداول بين 9 إلى 11 مرة أكثر من أسعار الغاز الطبيعي, لكن مع أسعار للنفط الخام قرب 80 دولارا للبرميل أو أكثر، وأسعار الغاز الطبيعي قرب 4.30 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، فإن النسبة حاليا هي نحو 19 مرة أكثر من أسعار الغاز الطبيعي. نتيجة لهذا التباين الكبير في الأسعار، تسارع الشركات للحصول على تراكيب من السجيل غنية بالنفط وسوائل الغاز الطبيعي، التي توفر مردودا اقتصاديا أعلى من الغاز الطبيعي الجاف.