فساد أسود من القارة السمراء!
«اللامبالاة شريكة دائمة لجريمة الفساد»
ملكة الجمال الأمريكية السابقة بيس ميرسون
وجدت صعوبة في العثور على مقدمة مناسبة لهذا المقال, فالأرقام التي أمامي تلغي كل المقدمات، وتضفي ركاكة على كل الجمل الإنشائية البليغة إذا ما سبقتها، وتجعل الكلمة بلا معنى، بل بلا جدوى!. هي أرقام مفجعة حقاً. مرارتها توازي الفاجعة عنفاً، وتصيب متابعها بقرف، يفوق القرف الذي نشرته الأزمة الاقتصادية العالمية في الأجواء. أرقام من النوع الذي ينشر ''ضجيج الصمت''. أرقام تتقزم أمامها كل الأرقام، فيما لو استثنينا الرقم الذي وصل إليه عدد الجياع في العالم وهو 1.02 مليار إنسان! والواقع أن الأرقام المفجعة الرهيبة، مرتبطة بهذا ''الرقم'' من الجياع أيضاً. فهي من النوع الذي ينشر الجوع والفقر والألم والبطالة ويُمَكِن المرض والأوبئة. هي من النوع الذي ينال من الحياة البشرية مباشرة، دون وسيط أو فريق أو طرف آخر. هي أرقام تعاظمت عن طريق جمع الفساد والاحتيال والرشوة والسرقة في حراك شيطاني واحد. هي ''منتج'' من ''قطاع'' صناعة هذه ''المواد الأولية'' الأربعة مجتمعة! ففي الوقت الذي غاصت فيه كل قطاعات الصناعة في العالم في بحر الأزمة الاقتصادية، بقي هذا ''القطاع'' مزدهراً و''منتجا'' وملبياً لطلبات القائمين عليه. إنه ''القطاع'' الوحيد الذي وقف في وجه الأزمة. إنه قاهر الأزمات!.
عندما نتحدث عن الجوع، تكون القارة الإفريقية الموضوع الأول فيه. وعندما نتناول الفقر، تبقى في المقدمة، وعندما نطرح قضايا الأمراض والأوبئة ووفيات الأطفال وتشغيلهم و''أمُُيتهم''، نبدأ منها. وحتى عندما تنطلق المهرجانات الفنية الضخمة لجمع التبرعات، وتتحرك الجمعيات الخيرية في العالم لتوفير المساعدات، تكون هذه القارة الوجهة الرئيسية لها. إنها القارة الأولى المستوردة للعمل الإنساني، والأولى ''المنتجة'' للآلام الإنسانية! وماذا أيضاً؟ هي المنطقة الأكثر انتشاراً للفساد الذي يأكل سكانها، ويرمي بقاياهم. بل في هذه القارة مئات الآلاف - إن لم نقل ملايين - من بشر يعيشون كـ ''بقايا''، من فرط العوز والجوع والفقر، وكل ما ينال من الحياة الإنسانية! في هذه القارة عدد الراغبين في نهار جديد، أقل من عدد أولئك الذين ينتظرونه. فاليوم الجديد هناك، يعني معاناة جديدة من طراز جديد أيضاً!.
على مدى أربعة عقود من الزمن، خرج 1.8 تريليون دولار أمريكي بصورة غير شرعية من القارة السمراء. صبت أغلبية هذه الأموال أين؟ في المؤسسات الغربية، وفي النظام المالي الدولي الآخر المشين! والتقديرات وراء هذا الرقم ليست من تلك ''الجامحة''، بل من المحافظة جداً. فالتقديرات الأخرى تتحدث عن 2,4 تريليون دولار في الفترة المذكورة. أي أن هذه القارة خسرت قرابة 500 مليار دولار أمريكي كل عشر سنوات. وهذه الأموال هي ببساطة، خسائر مباشرة لكل فرد يعيش فيها، وهي ضريبة غير مُعلنة فرضها الفاسدون عليه، وتقاضوها دون علمه. هي أموال العلاج والتعليم والتشغيل. أموال لجلب المياه الصالحة للشرب الآدمي، وللتنمية الزراعية والبشرية. هي أموال لصيانة كرامة الإنسان هناك. أموال ليس فقط يمكن من خلالها تسديد الديون الخارجية للدول الإفريقية البالغة – حسب لوائح العام 2008 - 250 مليار دولار، بل يمكن أيضاً أن تحقق أعلى معدلات عالية جداً للنمو. وطبقاً لمركز ''سلامة النظام المالي العالمي'' الأمريكي Global Financial Integrity المعروف اختصاراً بـ GFI ، فإن الفرد الإفريقي يخسر سنوياً قرابة 989 دولارا أمريكيا منذ عام 1970!. واستنادًا إلى الأرقام التي توصل إليها المركز نفسه، فقد بلغ حجم الأموال المهربة إلى الخارج 2 في المائة من الناتج الكلي الإفريقي في عام 1970، وبلغ في عام 1987 أكثر من 11 في المائة. وشهد تراجعاً في تسعينيات القرن الماضي إلى 4 في المائة، ليرتفع في عام 2007 إلى 8 في المائة، وفي عام 2008 بلغ أكثر قليلا من 7 في المائة من الناتج الكلي لهذه القارة.
المصدومون من هول هذه الأرقام، لم يجدوا أمامهم سوى مجموعة العشرين، التي أخذت زمام المبادرة على الساحة العالمية في أعقاب الأزمة الاقتصادية، ليستنجدوا بها، لماذا؟ لأنها الجهة الدولية المخولة – والقادرة - حاليا على كبح جماح المؤسسات المالية والمصارف العالمية، والملاذات الضريبية الآمنة، واقتصاد ''الوهم''، والاستثمار المشين. فالأمر ليس شأناً داخليا لكل دولة إفريقية تعاني هذا الفساد المدمر، بل هو شأن دولي إنساني أخلاقي. وهو ليس قضية إقليمية، بل دولية خالصة، ليس فقط لتهريب الأموال من القارة السمراء إلى خارجها، بل لأنها تصب، أين؟ فيما يعرف تسميته ''نظام الظل المالي العالمي'' أو global shadow financial system. وهذا النظام الأسود، يأكل حقوق ومقدرات السواد الأعظم لسكان القارة السمراء، من خلال وجود – ضمن آلياته وتسهيلاته – ملاذات ضريبية آمنة، وأدوات متطورة بصورة مستمرة لغسيل الأموال، ومؤسسات وشركات وهمية لا وجود لها في الواقع، وما يعرف تجارياً بـ '' سوء التسعير'' أو Trade mis-pricing ، والكثير من الأفكار الاستثمارية السوداء أيضاً. هذا النظام، هو في الواقع ''سرطان اقتصادي'' دولي، لا إفريقي أو آسيوي أو أوروبي. ولأنه كذلك، فقد خرج منذ زمن بعيد من نطاق محليته أو إقليميته. هو '' سرطان'' نشأ في بقعة، لكنه سرعان ما أصاب كل البقع.
يقول الفيلسوف الإغريقي ديوجين :'' اللصوص الكبار يقودون مسيرة اللصوص الصغار''، وفي رد غير مباشر على هذا الفيلسوف، يقول المؤلف والكاتب الأمريكي إدوارد هاو :'' إن اللص يعتقد أن الجميع لصوص''. في إفريقيا – كما العالم – هناك أنواع متعددة للفساد، من بينها ''الفساد المستتر''. وهو - في هذه القارة - لا يؤلم، بل يقتل. ووفق تقرير ''التنمية في إفريقيا'' الذي أصدره البنك الدولي في الربع الأول من العام الماضي، فإن '' الفساد المستتر'' يكلف الدول الإفريقية أموالاً طائلة، عن طريق فشل الموظفين الحكوميين في تسليم السلع أو الخدمات التي تدفع تكاليفها الحكومات نفسها!. وحسب التقرير، فإن هذا النوع من الفساد، متفش على نطاق واسع في جميع أنحاء إفريقيا ويؤثر سلباً على الفقراء فيها على المدى الطويل. وأنقل هنا مثالاً واحداً على كيفية ارتكاب هذا الفساد. في قطاع التعليم، يحرم طفل من التعليم المناسب، لماذا؟ لأن المدرس- الذي يفترض وفقاً للميزانيات الحكومية - أن يكون في الصف الدراسي، يؤدي واجبه في تعليم التلاميذ بدوام كامل، لا يقوم بواجبه. لماذا أيضاً؟ لأن رواتب المعلمين قد تم تحويلها عن طريق الاحتيال إلى المسؤولين الفاسدين أو إلى أطراف أخرى مؤثرة مثلهم!
لن يتوقف الفساد في القارة الإفريقية سواء كان مستتراً أم فاضحاً. وقد أثبتت العقود الأربعة الماضية، أن الخطأ لا يكمن في وجود حكومات فاسدة فقط، بل في كيفية إدارة المساعدات التي تقدم لهذه القارة من الدول المانحة، وكيفية تعاطي الحكومات المانحة مع الحكومات الممنوحة. ولا أعرف كيف ينظر رئيس دولة تقدم المساعدات، إلى هذه الحقائق المريعة؟. فغالبية أموال المساعدات ينتهي بها المطاف لدعم حكومات ''منتفخة''، ينفق رؤساؤها على حفلات أعياد ميلادهم أموالاً، يمكن أن تبني وتشغل مدارس ومستشفيات، وتوفر الحد الأدنى للكرامة الإنسانية لعدد كبير من مواطنيهم.
إن هروب الأموال من إفريقيا، التي يصونها الفساد من كل الأنواع، هي قضية إقليمية داخلية بلا شك، لكن معالجتها لن تتم بصورة ناجعة إلا خارجياً. إنها مسؤولية دولية، ارتفع زخمها العالمي في أعقاب الأزمة الاقتصادية. وهي مسؤولية أخلاقية، سيحاسِب التاريخ بسببها الفاسد والساكت عن الفساد.