رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


تخاريف!

البشر لا يكفون أبداً عن السفر، وإن بدا للناظر أنهم لا يتحركون!!.. نعم يتحركون في عالم كبير لا يَطّلِع عليه أحد، حتى وهم ساكنون أو هم نائمون، لأن البشر وهم مفردة من مفردات الكون يعجزون عن السكون في كون لا يسكن طرفة عين.

فإيلام يشدُّ المرء الرحال، بينما خيم السكون على جوارحه وأركانه؟!.

أتصور أن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي تبدو نفسه أمامه لغزاً مُحيراً، بحيث يَظلُ في حالة انشغال مستمرة بفك طلاسم هذا اللغز المُعقد، عَسَاهُ يهتدي إلى شيء من التوافق بينه وبين ذاك الكيان الغامض المتمرد الذي يسمي «بالنفس».

وأشدُّ الناس رغبة في السفر إلى شاطئ النفس البعيد، هم المفكرون والفلاسفة والعباقرة، إذ هم من يحوزون مجاديف الإبحار على متون الفِكَر، غير عابئين بموج ولا عاصفة، باحثين فقط عن ملامح نفس تموج بالمتناقضات والمتغيرات، ثم تجري بينها علاقة من نوع غريب.

تلك النفس التي تصفو تارة حتى تسبح في جو الملائكة الذين لا يكرهون ولا يحقدون، وتارة أخرى تتكدر حتى تهوى في مستنقع شيطانيٍ مُكتظ بجراثيم الشر والعدوان، وثالثة تحيا في حالة خلط بين هذا وذاك، ورابعة تعيش في حالة توازن بينهما، على أن الوعاء الذي يجمع بين الشتات المتنافر لا يعرف صاحبه إلى أي لون ينتمي.

إذن فهذه هي الحيرة التي تنتاب البشر وهم يقطعون على درب النفس كل يوم مسافة تتوقف على مقدار نشاطهم وجديتهم في التعرف على جغرافيتها القاسية، ويبقى كل إنسان في حالة استكشاف لنفسه حتى الموت، وربما مات وهو لم يعرف الكثير عن نفسه.

إنْ قلتَ لي أنا أعرف نفسي وأفهمها جيداً، فربما لن أصدقك، لأني رأيتك تتصرف حيال المواقف المتشابه بل ربما المتطابقة بشيء ملحوظ من التناقض، فما الذي دفعك إلى ذلك؟! قد لا تستطيع أن تقدم إجابة دقيقة أو مُقنعة، لأنك بصراحة لا تعرف السر وراء تناقض ردود أفعالك تجاه المواقف المتماثلة، ومن ثم لا تعرف أي نفس تقودك نحو هذا الأداء.

والأعجبُ في الأمر أنك قد تسمع من صديق أو قريب أو أي متعامل معك تحليلاً عن نفسك لم يخطر لك على بال، لكنه يصادف لديك قبولاً، لأنه كشف لك عن جانب غامض فيك لم تكن تعرفه أو تفهمه، وذا يفسر شيئاً من ميل الإنسان إلى الجماعة، التي يمثل كل فرد فيها مرآة عاكسة لملامح الآخر وإن تباينت درجة الصفاء والوضوح، وبدون "الفرد المرآة" لن تعرف ملامحك على وجه اليقين!.

وتأكيداً لهذا، فإن أكثر الناس عجزاً عن فهم أنفسهم هم المتقوقعون أو المتشرنقون أو المنكفئون على أنفسهم...

كُفَّ يا قلم عن دفعي إلى دوامة الحيرة، أو تصديرها إلى من يتابعون...!!.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي