رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


تطوير المدن الصناعية

بنت الحكومة خلال طفرة عقد السبعينيات الميلادي مدنا صناعية بإيجار مخفض جدا على المستثمرين في الصناعة التحويلية. انتهت الطفرة وتوقف الدعم وانتهت الأراضي، وتضرر نمو الصناعة مما يستوجب إعادة نظر في السياسات القائمة.
مع عجز الميزانية واللجوء إلى الاقتراض، كان من الصعب جدا الاستمرار في توفير دعم مبالغ فيه، أو لا يراعي التفاوت في أسعار الأراضي، وهذا ما حصل، ويحصل في كل أنحاء العالم، وهو يحفز غالبا على إهدار استعمال الموارد، والإهدار الرأسمالي، أي حافز إقامة منشآت وتجهيزات أكثر من حاجة قدر محدد من الإنتاج.
مشكلات المالية العامة والإدارة الحكومية دفعت دول العالم إلى تبني سياسات خصخصة. وفي إطار هذا التوجه قررت الحكومة إنشاء هيئة المدن الصناعية ومناطق التقنية قبل نحو ثماني سنوات، في وقت بلغ فيه الدين العام حدا من الضخامة بحيث تجاوز دخل الحكومة السنوي بمرات. أريد من الهيئة أن تعتمد على دخلها الذاتي في تطوير المدن الصناعية.
لكن الدخل الذاتي للهيئة متدن جدا بسبب تدني الإيجارات، وما خصصته الحكومة لدعم الهيئة متدن نسبيا. وذكر الدكتور توفيق الربيعة مدير عام هيئة المدن الصناعية ومناطق التقنية، أن الحكومة خصصت على مدى خمس سنوات ملياري ريال لإيصال الخدمات إلى حدود المدن الصناعية. (المصدر جريدة ''الرياض''، عدد الأربعاء 27 صفر 1429، الموافق 5 آذار (مارس) 2008). نتيجة لهذه الأوضاع استمر شح الأراضي الصناعية واستمر تضرر الصناعة التحويلية.
نظام الهيئة وضعف الدعم الحكومي بقي كما هو رغم ما تمر به خزانة الحكومة من طفرة. والغريب أن سياسة تقليل الدعم الحكومي للصناعة التحويلية تمييزية أصابت مدنا صناعية دون مدن, ومن دون مبرر منطقي.
كيف يراد للهيئة أن تعتمد على دخلها الذاتي وفي الوقت نفسه يراد دعم الصناعة التحويلية بحيث ترتفع نسبة مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي من نحو 7 في المائة الآن إلى ثلاثة أضعاف هذه النسبة بعد عشر أو 15 سنة؟
لنناقش الدعم الحكومي من منظار الاستراتيجية الصناعية, هذه الاستراتيجية تدعو إلى أن يصبح نصيب القطاع الصناعي غير القائم على النفط من الناتج المحلي نحو 20 في المائة خلال 10 إلى 15 سنة من الآن. وأهمية تحقيق هذا النمو نابعة من كون تطور الصناعة (التحويلية) يعد المقياس الأبرز للحكم على درجة تطور اقتصاد ما. وما يعزز هذا القول أن تسمية ''الدول الصناعية'' الشائعة تطلق من قبل جمهرة الكتاب لتعني الدولة ذات الاقتصاد المتطور أو المتقدم.
من البعيد جدا أن يتحقق ما استهدفته الاستراتيجية الصناعية دون دعم حكومي في عمليات تطوير المدن الصناعية، بحيث يزيد من ربحية الاستثمار الصناعي، ذلك لأن القطاع الصناعي غير المعتمد على الموارد الطبيعية من نفط وغاز صغير وغير ناضج، ويعاني تدنيا نسبيا في معدلات الربحية مقارنة ببعض القطاعات الأخرى.
من خصائص الاقتصادات النامية - ومنها الاقتصاد السعودي- أن مشكلاتها الاقتصادية تكمن في جانب الإنتاج وليس في جانب الاستهلاك، وذلك بسبب ضعف قدراتها الإنتاجية، بخلاف الوضع في الدول الصناعية التي لا تشتكي من ضعف في القدرات الإنتاجية.
القطاع الصناعي يتطلب قدرات فنية وتقنية وأيادي عاملة مدربة ومهارات عالية واستثمارات كبيرة وتتطلب بعض الوقت قبل أن تؤتي أكلها، يضاف إلى كل ذلك منافسة قوية من الإنتاج المستورد. وهذا يفسر جزئيا تهافت الناس على الاستثمارات العقارية والخدمية التي لا تقبل المتاجرة حسب تعبير أدبيات اقتصاد التجارة الدولية (أي لا تقبل التبادل التجاري عبر الحدود).
المطلوب توفير أراض أو منشآت مطورة جاهزة للاستثمار الصناعي، تكون تكلفتها منخفضة على المستثمر، لكن بصورة غير متطرفة. ومن الصعب تحقيق ذلك دون دعم حكومي ملموس، يزيد على المتبع حاليا. ويبدو أن هذه السياسة لا تعارض قوانين منظمة التجارة العالمية، طالما لم يكن هناك تخصيص أو تمييز بين المستثمرين داخل الدولة. لذا ينبغي تحسين سياسة الدعم الحكومي في تطوير المدن الصناعية، وفي هذا أطرح عدة نقاط:
1. يجدر بالحكومة أن تعامل المدن الصناعية ومناطق التقنية من حيث الدعم الحكومي, معاملة لا أقول مماثلة, لكن على الأقل لا تختلف كثيرا عن المعاملة التي تعطى لمدينتي الجبيل وينبع الصناعيتين. لا أجد مبررا مقنعا لتخصيص مبالغ زهيدة لتطوير مدن هيئة المدن الصناعية، مقابل المليارات لتطوير المدن الصناعية التابعة للهيئة الملكية للجبيل وينبع.
2. بعض المدن الصناعية ذات مساحات كبيرة جدا وتطويرها يتطلب مبالغ طائلة. ومن ثم ينبغي أن يسمح لهيئة المدن الصناعية، وللشركات المطورة للمدن الصناعية بالاقتراض من صندوق التنمية الصناعية، مبالغ تتجاوز مليار ريال للمدينة الواحدة ذات المساحة الكبيرة.
3. قد يعاني الصندوق محدودية نسبية في موارده، خاصة عند الرغبة في تقديم تمويلات ذات حجم كبير. ولذا أرى أن الحاجة تستدعي ربما مضاعفة رأسمال هذا الصندوق. الزيادة ستساعد على سرعة تنفيذ أهداف الاستراتيجية الصناعية.
4. ينبغي ألا يوحد الإيجار على المستثمرين، بل ينبغي أن يربط بنسبة مئوية من سعر أو قيمة الأرض، ويكون منخفضا نسبيا عن سعر السوق، لكن ينبغي ألا يخفض كثيرا جدا. كما يجب أن تراعى في تقريره قضايا التلوث البيئي.
5. من البداهة التنسيق بين مقدمي المرافق من هاتف وكهرباء وماء، والشركات التي تدير المدن الصناعية. بناء شبكة مرافق يفترض أن يكون من مسؤولية مقدمي المرافق، أسوة بالمتبع في المناطق السكنية والتجارية داخل المدن.
6. سفلتة ورصف شوارع المدن الصناعية ينبغي أن تتحمل تكلفتها الحكومة أسوة بالأحياء والمدن الحضرية، أو على الأقل أن تسهم بنسبة من التكلفة.
7. تفوق المملكة دول مجلس التعاون الأخرى كافة مساحة وسكانا، وفي الوقت نفسه تتفاوت مناطق المملكة في الظروف والخصائص والتركيب، لذا أقترح تكوين فروع شبه مستقلة للهيئة في كل منطقة من مناطق المملكة، وتتولى الهيئة المركزية وضع السياسات العامة.

هذا وبالله التوفيق.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي