رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الآثار الإيجابية للأزمة المالية العالمية (2 من 2)

تناولنا في الجزء الأول من هذا المقال جهود إصلاح النظام المالي كأول أثر إيجابي للأزمة، واليوم نتناول باختصار باقي أهم الآثار الإيجابية للأزمة المالية العالمية، المرتبطة بالسيطرة على الحوافز المالية للعاملين في القطاع المالي، وإعادة النظر في نظام السوق الحر، والسيطرة على النمو في الائتمان وتزايد الاتجاه نحو الادخار، وأخيرا تحسين عملية صناعة السياسة الاقتصادية.
1. السيطرة على الحوافز المالية لقادة القطاع المالي: بصفة خاصة للتأكد من أن نظم الحوافز والمكافآت في النظام المالي لا تدفع العاملين فيه على العمل على تضخيم الأصول، ليس بهدف تنمية تلك الأصول، وإنما بهدف رفع مكافآتهم وحوافزهم التشجيعية التي تحسب في أغلب الأحوال كنسبة من هذه الأصول، بغض النظر عن مدى سلامة أو أمان تلك الأصول. من ناحية أخرى، فإن الأزمة قد ساعدت على إعادة وضع النظام المالي في إطاره الصحيح، بعد أن كان ينظر بالإعجاب إلى هذا المكون من مكونات الاقتصاد وللعاملين فيه كذلك. فقد كان القطاع المالي في جميع دول العالم أسرع القطاعات نموا وأكثرها تحقيقا للأرباح وخلقا للوظائف، وارتفع نصيبه إلى الناتج المحلي بصورة غير مسبوقة في تاريخ العالم الحديث، وقد جاءت الأزمة لتعيد وضع القطاع في إطاره الصحيح.
وتنبغي الإشارة إلى أنه مع حرص جميع الدول على السيطرة على الحوافز المالية للعاملين في القطاع المالي إلا أن ذلك الأمر يعد صعبا من الناحية العملية وذلك إذا ما قارناه بالمبدأ، وذلك لقدرة هذه المؤسسات على الالتفاف حول النظم والقوانين، كما أن بعضها يمتلك قدرا من الضغط السياسي الذي يمكن أن يؤثر في عملية صياغة القوانين الحكومية. على سبيل المثال على الرغم من ظروف الأزمة الحالية فوجئ المواطنين في عديد من الدول مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بالأرقام التي تناولتها وسائل الإعلام عن حجم المكافآت التي قامت المؤسسات المالية بتوزيعها على العاملين بها، على الرغم من استخدام المال العام في إنقاذ هذه المؤسسات وارتفاع معدلات البطالة واستمرار تدهور الأداء الاقتصادي العام، وهو ما يعكس قدرة هذه المؤسسات على الالتفاف حول القوانين والإجراءات، وأنه ما زالت هناك مشكلة تحتاج إلى ضرورة سن قوانين ونظم رقابة كافية للتعامل مع هذا القطاع على نحو حازم، نظرا لخطورة استمرار الوضع الحالي، بما يخلفه من مخاطر على أداء هذه المؤسسات.
2. إعادة النظر في نظام السوق الحر: قبل وقوع الأزمة كان هناك اتجاه يجتاح العالم بأهمية السوق الحر وأهمية الدفع نحو ترك قوى السوق تعمل دون أي تدخل من قبل صانع السياسة وترك المجال لما يسمى باليد الخفية التي تحدث عنها الاقتصادي الشهير ''آدم سميث''، لكي تمارس دورها في ضبط قرارات المستهلكين والمنتجين وغيرهم من المشاركين في السوق، وذلك تحت دعوى أن التدخل الحكومي غالبا ما يؤدي إلى نشوء تشوهات سوقية، وأن هذه التشوهات مكلفة سواء على المستوى الكلي أو الجزئي، ونتيجة لذلك انحسر دور الدولة في معظم اقتصادات دول العالم على نحو غير مسبوق. غير أن الأزمة جاءت لكي تذكر العالم مرة أخرى بحقيقة فشل نظام السوق الحر في الحيلولة دون تكون الفقاعات الخطيرة بل وانفجارها على نحو مدو يمكن أن يعصف بمجريات الحياة الاقتصادية، وأن التدخل الحكومي لضبط الأداء الاقتصادي العام هو أمر حيوي في جميع اقتصادات العالم بغض النظر عن الفلسفة الاقتصادية التي تستند إليها.
3. السيطرة على النمو المفرط في الائتمان: يعد نمو عرض الائتمان بشكل عام ظاهرة صحية، حيث ينظر إلى الائتمان على أنه بمثابة تدفق الدم في شريان الاقتصاد، غير أن العرض المفرط للائتمان يحدث كثيرا من الآثار الضارة، بصفة خاصة في أسواق الأصول، فمع زيادة عرض الائتمان تميل الأصول، بصفة خاصة الأصول المالية، نحو التضخم، مما يساعد على تكوين ما يسمى بالفقاعات المالية، ومع استمرار ضخ الائتمان تستمر الفقاعات المالية في الانتفاخ أكثر فأكثر حتى يحدث الانفجار المدوي لها، تاركا عديدا من الآثار السلبية في الاقتصاد الوطني عندما ينتقل أثر الأزمة من القطاع المالي إلى القطاع الحقيقي. ومنذ الوهلة الأولى لنشوء الأزمة أخذت البنوك في الحد من عمليات الائتمان نظرا لارتفاع مستويات المخاطر التي تصاحب عمليات الإقراض في ظل مناخ الأزمة، وغني عن البيان أنه من المتوقع أيضا أن يستمر انخفاض إقراض البنوك للأغراض المختلفة لفترة زمنية طويلة في المستقبل، نظرا للمدى الزمني الطويل المتوقع لتوابع الأزمة. وبالرغم من الآثار السلبية لهذه التطورات في اتجاهات النمو، إلا إن السيطرة على النمو المفرط في الائتمان تساعد على ضبط أداء المؤسسات والحد من حوافزها نحو النمو المفرط والسيطرة على نمو الأصول، بصفة خاصة المالية منها.
4. تزايد الاتجاه نحو الادخار: تشير نظرية الاستهلاك إلى أن الثروة تعد من المحددات الأساسية للاستهلاك الأسري، فعندما ترتفع قيم الأصول يحدث ما يسمى بأثر الثروة، حيث يشعر الأفراد بأنهم أكثر ثراء، ومن ثم يزيدون من استهلاكهم ويقللون من ادخارهم. وقبل اندلاع الأزمة كان الاقتصادان الأمريكي والبريطاني مندفعين نحو الإنفاق الاستهلاكي الممول أساسا من خلال الزيادات التي تحدث في أسعار المساكن، وقد بلغت معدلات الاستهلاك في الاقتصاد الأمريكي قبل الأزمة مستويات مثيرة للقلق، حيث أصبح اقتصادا لا يدخر تقريبا.
غير أن انفجار فقاعة الأصول جعل الأفراد يشعرون بأنهم أفقر، وهو ما دفعهم نحو الاستهلاك بشكل أقل ومن ثم الادخار بشكل أكبر. ومن أهم الفوائد الكامنة للأزمة هي أن المستهلكين وربما الاقتصاد ككل أصبح أكثر تدبرا عما سبق، حيث أخذ الأفراد ينظرون بصورة أفضل لاستهلاكهم في الأجل الطويل وليس الأجل القصير، على سبيل المثال اليوم تأتينا الأخبار لتشير إلى تحسن مستويات الادخار لدى الأسر الأمريكية، مقارنة بالوضع قبل الأزمة، خصوصا مع تصاعد القلق حول اتجاهات سوق العمل وارتفاع مخاطر البطالة. ومما لا شك فيه أن المعدل الأعلى للادخار سيسمح بالمزيد من الاستثمارات ومن ثم يساعد على تكوين هيكل إنفاق متوازن في الاقتصاد الوطني.
5. تحسين عملية صناعة السياسة الاقتصادية: قبل حدوث الأزمة كان هناك شبه اتفاق على تفضيل استخدام القواعد البسيطة في عملية صناعة وتطبيق السياسة الاقتصادية، مثل قواعد تايلور في تحديد معدل الفائدة المستهدف، وكذلك تبني مستهدفات مبسطة للغاية فيما يتعلق بمعدل التضخم المستهدف. هذه القواعد البسيطة اتسمت بسهولة التحديد من قبل صانع السياسة، وسهولة الفهم أيضا من قبل الجمهور، إلا أن هذه القواعد البسيطة للسياسة كانت تطبق على اقتصادات في غاية التعقيد، ولا شك أن الأزمة الحالية ستدفع صانعي السياسة الاقتصادية الكلية في جميع الدول إلى التفكير بصورة أعمق حول مدى مناسبة مستهدفاتهم الكلية ومدى كفاية أدوات السياسة الحالية لضبط إيقاع الاقتصاد الوطني، على سبيل المثال فإن تبني الولايات المتحدة معدل الأموال الفيدرالية كمعدل فائدة بسيط مستهدف لضبط إيقاع سوق النقود، أو معدل تضخم 2 في المائة كمعدل مستهدف للتضخم، يمثل تبسيطا شديدا لواقع اقتصادي معقد، كما أن تبني معدل الفائدة على الأموال الفيدرالية كمعدل مستهدف للسياسة النقدية يواجه عديدا من النقائص، بصفة خاصة فيما يترتب على تغير معدل الأموال الفيدرالية من أثر في الاقتصاد الحقيقي، ومثل هذا التسطيح الشديد لأمور صناعة السياسة الاقتصادية يحتاج إلى إعادة نظر وإعادة صياغة عملية صناعة السياسة الاقتصادية على نحو أكثر حبكة أو صنعا.
وأخيرا هل يمكن القول إن ردود الأفعال للأزمة الحالية ستحول دون تكون فقاعات جديدة وانفجارها في المستقبل، الإجابة هي بالتأكيد لا، فسرعان ما سينسى المتعاملون في الأسواق ما حدث، وسرعان ما سيركن صانعو السياسة إلى ترك الاقتصادات حرة دون تدخل، وسرعان ما ستتكون الدوافع نحو الثراء السريع مدفوعة بمعدلات النمو السريع في أسعار الأصول المختلفة. إن التاريخ يخبرنا عن عديد من الفقاعات التي كان بعضها لا يصدق، كيف اندفع الناس بدافع الثراء السريع نحو مثل هكذا أصول ''مثل فقاعة أسعار زهور التيوليب في هولندا''، باختصار ربما لن تتكرر الفقاعات في الأجل القصير أو المتوسط، حيث ستحول الأزمة الحالية دون احتمال تكون فقاعات في المستقبل القريب، ولكن تكرارها في الأجل الطويل هو أمر مؤكد، فقد عاش العالم كثيرا من الحالات المشابهة، ومع ذلك تكررت تلك الأزمات بصورة أو أخرى لاحقا.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي