رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هل ترى العالم بعين أمك؟!

كثيرة هي المواقف التي لا يمكن لدموع العين أن تتماسك أمامها، وأشد موقف تنهمر أمامه دموع العين سيلاً هو ما كانت الأم طرفاً مظلوماً فيه، لأن الظلم لا يجب أن يقع أبداً على من قدمت الحياة والحنان والتضحية.

قرأت اليوم قصة مزقت قلبي إرباً، ومن فرط ما ألمَّ بنفسي من ألم، قررت أن أهرع إلى حاسوبي لأكتب عن هذه المأساة، لعلي أجد في نثر الحروف مُتنفساً أُذهب به بعض همي.

القصة يحكيها ولدٌ عن أمه فيقول « كان لأمي عين واحدة‏،‏ وقد كرهتها لأنها كانت تسبب لي الحرج،‏ حيث كانت تعمل طاهية في المدرسة التي أتعلم فيها كي تعيل العائلة‏..‏ ذات يوم وأنا في المرحلة الابتدائية جاءت لتطمئن علي‏،‏ أحسست بالحرج فعلاً،‏ كيف فعلت هذا بي؟‏‏ تجاهلتها ورميتها بنظرة مليئة بالكراهية،‏ وفي اليوم التالي قال أحدُ التلاميذ‏:‏ أمك بعين واحدة‏،‏ وحينها تمنيتُ أن أدفن نفسي،‏ وأن تختفي أمي من حياتي‏، وواجهت أمي وقلت لها: لقد جعلتِ مني أضحوكة بين زملائي،‏ ولكنها لم تجبْ،‏ ولم أبال لمشاعرها، ثم غادرت المكان‏..‏ درستُ بجد وحصلتُ علي منحة دراسية بالخارج، وفعلا ذهبت ودرستُ، ثم تزوجتُ، واشتريتُ بيتاً، وأنجبتُ أولاداً، وكنتُ سعيداً في حياتي‏.‏ وفي يوم من الأيام أتت أمي لزيارتي ولم تكنْ قد رأتني منذ سنوات، ولم تكنْ قد رأت أحفادها من قبل‏..‏ وقفت علي الباب، وأخذ أطفالي يضحكون منها‏..‏ صرخت كيف تجرأتِ وأتيتِ لتُخيفي أولادي؟‏!‏ أخرجي حالاً..‏ أجابتْ بهدوء‏:‏ آسفة‏..‏ أخطأتُ العنوانَ علي ما يبدو‏..‏ واختفتْ‏..‏ ذاتَ يوم أخبرني الجيران بنبأ وفاتها‏..‏ لم أذرفْ دمعة واحدة‏..‏ قاموا بتسليمي رسالة من أمي‏..‏ ابني الحبيب‏:‏آسفة لمجيئي إليك وإخافة أولادك‏..‏ آسفة لأنني سببت لك الإحراج مرات ومرات في حياتك‏..‏ هل تعلم يا ولدي العزيز أنك تعرضت لحادث وأنت صغير ففقدت أحد عينيك‏، وكأي أم‏‏ لم أستطع أن أتركك تكبر بعين واحدة، ولذا أعطيتك عيني وكنت سعيدة وفخورة جداً لأن ابني يستطيع رؤية العالم بعيني‏..‏ مع حبي‏..‏ أمك‏..!»‏.

لقد قرأتُ الموقف مراتٍ كثيرة، وفى كل مرة كانت دموعي تنهمر رغماً عني، لأني عشتُ كل حرف فيه، ومن أسف كان دوري هو دور المشاهد الناقد، إذ أنظر من نافذة ضيقة إلى ماضٍ ممهور بخاتم التأكيد "كان"، لا يمكن النظر إليه إلا بعين الاعتبار فقط، دون امتلاك القدرة على ترتيب أحداثه من جديد، ولذا بكيت عجزاً أو حزناً أو فرحاً، حيث اختلط المشاعر بقدر ما ساق الموقف من رحمة الأم وحنانها، وبقدر ما حمل من قسوة ولد رأى الأقدار على وجه أمه عاراً.

أخي القارئ، استحلفك بالبارئ، إن كانتْ لك أمٌ فاذهب إليها الآن وقبِّل منها الرأس واليد والقدم، فهناك ستجد الجنة، وألق بنفسك في حجرها، ودعها تعبث في شعر رأسك كما كانت تفعل قديماً.. دعها تُذهبُ برضاها عنك كل همومك وكل آلامك، من قبل أن يأتي يوم ينادى عليك فيه "ماتت التي كنا نكرمك من أجلها فاعمل صالحاً نكرمك من أجله"

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي