هيبة التعليم الجامعي في خطر
قبل عدة سنوات تعرضت المملكة لضغط كبير حين توجهت أعداد كبيرة من السعوديين إلى الدراسة في الخارج, خاصة البلدان المجاورة على قلة مواردها المالية وحتى التعليمية. لم تستطع الحكومة المقاومة, إذ أدى هذا الضغط إلى التوسع في التعليم الجامعي في المملكة, ولكن كما هي العادة هناك علاقة مباشرة عكسية بين العدد والجودة. كما أن هذا التكاثر في الجامعات أتى كمهرب من استحقاق أصعب: اختيار النموذج الملائم للمرحلة التنموية, مواجهة التيار العام المرغوب أمر صعب حيث الرغبة العائلية الجامحة وحتى المقارنة مع الفرصة في الدول المجاورة, الكل في سباق مع العدد على حساب الكفاءة لذلك تصبح المقاومة لإيجاد النموذج الصحي أول الضحايا. ولم تشفع لنا البعثات كثيرا في تحسين المستوى, حيث بدأنا في تطبيق العقلية نفسها, أعداد كثيرة دون تدقيق في الاختيار سواء على مستوى الطالب أو مستوى القسم الجامعي. وما تستطيع أن تتحمله المملكة في فترة سابقة لم يعد كافيا.
لزيادة الوضع تعقيدا لا بد من ذكر أن مخرجات التعليم اليوم يجب أن تنافس عالميا, فالمواطن السعودي لا يمكن أن يكون محميا من المنافسة العالمية سواء إن عمل في المملكة أو خارجها. في ظل هذه البيئة التي تزداد صعوبة لا بد من التفكير في إعادة صياغة إعداد الكوادر والتغلب على عقدة التعليم الجامعي وفضفاضيته, خاصة في التعليم العالي, فقد ذكر أحد الكتاب أن جزءا كبيرا من خريجي بريطانيا وأمريكا حتى في الدراسات الاجتماعية لا يجيدون اللغة الإنجليزية بعد عدة سنوات من الدراسة هناك.
ما الحل؟
الحل المثالي يأتي من استخلاص النموذج المناسب للمرحلة, يصعب أن تتطور البلاد دون نظرة شمولية للتعليم وإعطاء الفرصة لأكبر عدد لذلك يصعب أن يلام المسؤولون في تكاثر الجامعات. أثبتت التجارب أن التعليم العام والعالي الضيق يفرز حالة من الطبقية التي لا تستطيع النهوض بالمجتمع تنمويا, حيث تتطور فجوة في التواصل وحتى عدم الاكتراث خاصة إذا صاحب ذلك بيئة اقتصاد ريعي في أساسه توزيعي, تصبح المصلحة المادية محصورة في نخبة ضيقة, وبالتالي يزداد الانقطاع بين التفوق المعرفي والمردود المادي. يعاكس ذلك نموذج تعليمي آخر كما في بعض الدول المجاورة, حيث الكل دكتور, ونحن نقترب سريعا من هذا النموذج دون احتساب الاستحقاق العلمي والبحثي. هناك نموذج آخر مثل سويسرا حيث التعليم الجامعي نسبيا قليل ولمن أثبت قدرة واستعدادا ذهنيا في مستوى معين, أما البقية فتتجه نحو التعليم الحرفي والمهني الذي يقابله أجر مجز. الواضح أن السياسة العمالية في المملكة لن تجعل من هذا النموذج اختيارا مناسبا في هذه المرحلة. هناك دول أخرى تأخذ بنموذج آخر ولعله يناسب المرحلة. فأمريكا على سبيل المثال تأخذ بنموذج يشجع على التعليم الجامعي ولكنه توظيفي يأخذ فقط بكفاءة الشهادة المهنية في كل تخصص. فعلي سبيل المثال على المحامي اجتياز BAR والشهادة المعروفة في القانون هي J.D وفي التحليل المالي هي CFA وهكذا في كل تخصص وتفرعاته وبهذا يطمئن الجميع على كفاءة حاملي الشهادات, كما أن هذه الاختبارات المهنية تتجدد وتتفرع للتأكد من التكيف تخصصا ووقتا.
عاشت المملكة في نزهة تعليمية ولمدة طويلة دون مساءلة وتوثيق, حان الوقت إلى جني العائد على الاستثمار في التعليم بعد أن بدأت الحكومة في زيادة الصرف على التعليم في السنوات الماضية. مهما صرفت الحكومة وأعطت فرصة سيبقى دور الفرد والعائلة أكثر أهمية, لذلك فإن التشكي ولوم المناهج أو المبنى سيبقى لوما صغيرا مقابل ما يمكن عمله لمن أعطي فرصة. حان الوقت لإعطاء الشهادة المهنية قيمة أكبر من شهادة جامعية أقل دلالة بل قد تكون خادعة.