آثار اقتصادية جانبية للثروة النفطية
حبا الله المملكة العربية السعودية ودولا أخرى بموارد نفط هائلة جلبت الثراء وأسهمت في رفع مكانة تلك الدول على المسرح الدولي. رغم هذه الثروة البالغة الضخامة، فإن النمو الاقتصادي كان بطيئا في أغلبية تلك الدول خلال معظم الفترة الممتدة منذ الثمانينيات.
منذ أواخر عام 1973، كان هناك ارتفاع حاد في عائدات البترول، ما أسهم في جعل الاقتصاد السعودي واحدا من أسرع الاقتصادات نموا في العالم. في طفرة أواخر السبعينيات 1970 ومطلع الثمانينيات 1980، تجاوز متوسط نصيب الفرد من الدخل في المملكة العربية السعودية 15 ألف دولار سنويا. وتوافر فائض تجاري واحتياطي هائل من النقد الأجنبي مكن الحكومة من شق قناة كبرى في عملية التنمية وتقديم المساعدات لدول أخرى.
تغير الوضع في الثمانينيات، حيث أدى ارتفاع أسعار النفط إلى انخفاض الاستهلاك العالمي من النفط وتطوير حقول نفط في دول عديدة خارج ''أوبك''. كانت هناك وفرة نفطية، أدخلت درجة كبيرة من التقلبات وعدم اليقين في الاقتصادات النفطية. إنتاج النفط السعودي، الذي كان نحو تسعة ملايين برميل يوميا عام 1980 انخفض إلى نحو ثلاثة ملايين برميل يوميا بحلول عام 1986، وهو انخفاض أسهم، جنبا إلى جنب مع انخفاض الأسعار، في صناعة عجز كبير في الميزانية عبر سنين طويلة.
إنتاج نفطي مستقر نسبيا منذ أواخر الثمانينيات 1980، مقرونا بتذبذب لكن بأسعار منخفضة للنفط، مع نمو سكاني في الوقت نفسه، أثر سلبا في الميزانية والاقتصاد. واستمر انخفاض نصيب الفرد من الدخل ليصل إلى أقل من عشرة آلاف دولار أواخر التسعينيات، وبذلك انتقلت المملكة من فئة الدول ذوات الدخل العالي إلى فئة الدول ذوات الدخل المتوسط.
لكن ارتفاع أسعار النفط في السنوات الأخيرة حسن نصيب الفرد من الدخل في المملكة العربية السعودية ليتجاوز 18 ألف دولار سنويا عام 2008، لكنه عاد إلى الانخفاض إلى نحو 14 ألف دولار العام الماضي 2009، وهو مستوى دون الذي تم التوصل إليه في عام 1981 سواء بالقيمة الحقيقية أو الاسمية. وبعبارة أخرى، لم يتحسن دخل الفرد السعودي، من حيث المتوسط، على مدى الأعوام الـ 30 الماضية، بينما تضاعف تقريبا في الدول الصناعية وزاد على الضعف في الدول الصاعدة.
أدخلت الحكومة السعودية على مدى السنوات الماضية إصلاحات اقتصادية هدفت إلى تشجيع مزيد من التطور في الاقتصاد والقطاع الخاص. وقبل نحو خمس سنوات انضمت المملكة العربية السعودية إلى منظمة التجارة العالمية، من أجل تعزيز التجارة والدفع بتنويع الاقتصاد واجتذاب نسبة أعلى من الاستثمار الأجنبي. كما أنفقت الحكومة مبالغ كبيرة على تطوير البنية التحتية وعلى التدريب والتعليم. ورغم ذلك يبدو أن هناك إشكالية كبيرة في مدى حسن استغلال الموارد الطبيعية النفطية لتطوير الاقتصاد وعناصر الإنتاج فيه.
تشير التوقعات إلى نمو مستمر في الطلب على النفط والطاقة عموما خلال السنوات الـ 30 المقبلة، دون أن تلوح في الأفق موارد نفطية إضافية في العالم. ومن المرجح جدا ميل الثروة النفطية إلى النضوب وتطوير بدائل للموارد النفطية في غضون بضعة عقود. ومن ثم لنا أن نقول إن الزيادة الأخيرة في نصيب الفرد من الدخل في المملكة العربية السعودية في خطر دورة جديدة من التدهور السنوات المقبلة، لكنها أطول كثيرا من دورة التدهور السابقة. ورغم أهمية التدابير والإصلاحات التي اتخذتها الحكومة السعودية لتحسين البنية التحتية وتطوير الاقتصاد إلا أنها لا تعد كافية تماما.
بسبب وفرة الموارد الطبيعية مثل النفط، أصبح اقتصاد البلد مدمنا إلى حد كبير على المال المتحصل من صادرات النفط. ودلت الشواهد على أن هذا التركيز في الصادرات يرتبط بضعف إدارة وأداء المؤسسات العامة. ودل عديد من الدراسات التي استخدمت البيانات المقطعية والسلاسل الزمنية على وجود علاقة بين البنية المؤسسية والنمو الاقتصادي، أساسه وجود ارتباط طردي بين ضعف المؤسسات العامة وتباطؤ النمو الاقتصادي.
وأظهرت هذه الدراسات أن وتيرة التنمية الاقتصادية بوجه عام أعلى في بعض الدول إلى حد كبير نظرا لطبيعة البنية المؤسسية، التي تركز على المحافظة على القانون والانضباط والنظام الصارم المطبق بنزاهة، وحماية الملكية الخاصة. والحكومات في هذه البلدان ركزت على تطوير قاعدة صناعية واسعة النطاق مع إيلاء الاهتمام الواجب لتطوير البنية التحتية الملائمة لتطوير الصناعة والتجارة. وهناك مؤسسات وقوى السوق الحرة التي تعمل داخل هذه البلدان تحت قانون متطور يجد الاحترام، ما يساعد على تيسير النمو الاقتصادي.
وهناك عدد كبير من الباحثين الذين درسوا الاقتصاد السياسي للاقتصادات ذات الموارد الطبيعية الغنية، وانتهوا إلى أن الأدلة التطبيقية تشير إلى أن البلدان ذات الاعتماد على صادرات الموارد الأولية لديها سجلات في ضعف النمو وعدم المساواة، خصوصا عند وجود مشكلات في نوعية المؤسسات وسيادة القانون. ويشير أولئك الباحثون أيضا إلى أن هذه الاقتصادات الغنية بمواردها الطبيعية تميل إلى إنفاق متساهل تقل فيه الحكمة، مقرونا بانخفاض معدلات الادخار. وفي هذا النطاق، أثيرت مسألة: لماذا حقق بعض الدول الغنية بالموارد الطبيعية، مثل كندا وأستراليا والنرويج أداء جيدا من حيث النمو الاقتصادي مقارنة باقتصادات أخرى ذات موارد غنية، لكنها لم تكن قادرة على تحقيق أداء جيد.
يجادل بعضهم في أن من أسباب هذا التراجع في النمو الاقتصادي أن وفرة رأس المال الطبيعي تميل إلى مزاحمة الاستثمارات في رأس المال البشري. ومن ثم تتأثر سلبا التنمية الاقتصادية بهذه المزاحمة. ويظن أن المملكة العربية السعودية تعاني هذه الظاهرة. فمثلا، يحقق كثير من الناس دخولا عالية من غير العمل، وهذا بدوره يقلل من الاهتمام بالتعليم، ويقلل أهمية الحصول على مهارات أعلى لازمة لتحقيق النمو الاقتصادي، وهذا بدوره يخفض نوعية التعليم.
أيضا، ربما يصنع توافر الثروات النفطية الهائلة شعورا زائفا بالأمان، ما يحد من الضغوط نحو تحسين الكفاءة البيروقراطية وسياسات النمو الاقتصادي وأسلوب الإدارة. وأتوقع أن مثل هذا الشعور موجود بقوة في المملكة العربية السعودية.
لا شك أن المملكة العربية السعودية بذلت جهودا لتعزيز التحسينات التكنولوجية واستكشاف وتطوير سبل جديدة وصناعات يمكن أن تساعد على دعم الاقتصاد، وتقليل اعتماده على صادرات النفط الخام، لكن المؤشرات تدل على أن تلك الجهود ليست كافية. وما زال أمامنا مشوار طويل في الإصلاح والتطوير الاقتصادي، وبالله التوفيق.