رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الموازنة بين المركزية واللامركزية مطلب وطني

على الرغم من تصريح كثيرين من القياديين والنخب الإدارية وأصحاب القرار في القطاع الحكومي بجدوى وضرورة التحول إلى اللامركزية بمنح الهيئات المحلية والإقليمية صلاحيات إدارية ومالية وتمكينها من ممارسة أدوارها، إلا أن ذلك لا يتعدى مجرد اقتناع على المستوى الفكري فقط، وطروحات لا ترتقي إلى التطبيق الواقعي والسلوك الفعلي. ما زالت الأجهزة المركزية البيروقراطية تستحوذ على جميع صلاحيات عملية صنع القرارات العامة حتى تلك التي تتعلق بالقضايا المحلية التي يفترض أنها من اختصاص المجالس في المناطق والمحافظات. اللامركزية لم تعد اختيارا وليست ترفا إداريا نتزين به إعلاميا ونحاكي الآخرين, أو نجامل فيها الهيئات العالمية وقراراتها, أو نرد عن أنفسنا العتبى بالتوافق مع النمط الإداري العالمي السائد في التوجه نحو اللامركزية شكليا، وإنما ضرورة تحتمها الظروف والمستجدات والمتغيرات على الساحتين الداخلية والخارجية. يأتي على رأسها العولمة وتشابك المصالح مع المجتمعات الأخرى والانفتاح الثقافي والإعلامي بين الشعوب، هذا إضافة إلى تنامي عدد المدن وتزايد عدد سكانها وارتفاع مستوى الوعي السياسي وسقف التوقعات وتغير أنماط الاستهلاك. كل ذلك يتطلب إدارات محلية تستجيب لهذه التغيرات وتتعامل مع درجة التعقيدات وتداخل وتشابك القضايا المحلية.
المقصد الأساس من تطبيق اللامركزية تحقيق الكفاءة والفاعلية، إذ إنها أقرب إلى تلبية متطلبات المجتمعات المحلية من الخدمات العامة كما ونوعا وجودة. العبرة ليست في تقديم الخدمات وحسب وإنما يلزم أن تكون منسجمة مع تفضيلات ورغبات وتوجهات المجتمع المحلي في الحاضر والمستقبل، بحيث تسهم في تنميته اقتصاديا واجتماعيا تنمية مستدامة, وصياغة رؤيته والتصدي للتحديات والمتغيرات المستقبلية. ما فائدة أن تكون هناك خدمات تقدم بكميات أكبر مما هو مطلوب في حين هناك احتياج أكبر إلى خدمات تقصر عن تلبية الطلب عليها أو لا يتم توفيرها ابتداء؟ ما تجلبه اللامركزية هو تمكين الهيئات المحلية وإتاحة الفرصة للمجتمعات المحلية لوضع أهدافها وترتيب أولوياتها, فهي الأقرب والمستفيد والأعرف والأكثر حرصا على التنمية المحلية. إن المنفعة من الارتقاء بصناعة القرار المحلي وزيادة كفاءته لا تقتصر تأثيراتها الإيجابية على المجتمع المحلي وإنما تتعداها إلى تطوير العمل الحكومي المركزي وزيادة الضبط الاجتماعي على المستوى الوطني. فكفاءة إدارة المجتمعات المحلية تعني معالجة المشكلات المحلية والتصدي لها ووأدها في مهدها والحيلولة دون تصعيدها وتحولها إلى قضايا وطنية تستهلك وتستنزف قدرات الأجهزة المركزية وتشغلها عن القيام بأدوارها الوطنية الرئيسة والاستراتيجية. كما أن إنشاء الهيئات المحلية ومنحها مسؤولية رعاية مصالح المجتمعات المحلية يسهم في ضبط المجتمع وتضييق نطاق الإشراف وزيادة كفاءة الإدارة المركزية في السيطرة والتحكم. فتوزيع المهام وتحديد المسؤوليات والأدوار لكل مستوى إداري حسب هرمية مكانية آلية فاعلة للرقابة . وهذا يشير إلى ضرورة التمييز بين القضايا المحلية والمناطقية والوطنية وتصنيفها على أساس البعد المكاني ومدى تأثيرها الجغرافي. القضايا التي تكون تأثيراتها داخل نطاق المدينة يلزم أن تكون ضمن مسؤوليات إدارة المدنية, والقضايا ذات التأثير الإقليمي وفي نطاق المنطقة تندرج ضمن مسؤوليات مجلس المنطقة. على سبيل المثال إدارة استخدامات الأراضي وتوفير الخدمات والتنمية الاقتصادية المحلية هي مسؤولية المجالس المحلية والبلدية بينما قضايا التلوث والتنمية الإقليمية تكون مسؤولية مجلس المنطقة، ليس تنفيذا لقرارات مركزية وإنما صناعة أصيلة للقرار الإداري والمالي وسن تشريعات وسياسات محلية حسب ما تقتضيه مصلحة السكان المحليين. من هنا فإن اللامركزية كأسلوب في صناعة القرار العام يستوعب التباين بين المناطق والمحافظات سواء ثقافيا أو اقتصاديا أو جغرافيا. اللامركزية لا تعني تفويض صلاحيات التنفيذ داخل الأجهزة المركزية، وإنما نقل سلطة التشريع وسن القوانين المحلية للهيئات المحلية ومنحها الاستقلال الإداري والمالي. هذا يتطلب ميزانيات مستقلة لكل منطقة لتتمكن كل منطقة من صياغة أولوياتها الحقيقية من المشاريع والخدمات بما يحقق تنميتها.
الحديث عن اللامركزية والدعوة إليها لا يعني بأي حال من الأحوال إلغاء المركزية أو أن تكون واحدة على حساب الأخرى، وإنما الموازنة فيما بينها بما يخدم التنمية الاقتصادية والسياسية الوطنية ويلبي استحقاقات المرحلة المقبلة. هناك مقدار من المركزية مهم وضروري لإدارة الشؤون الوطنية وتعزيز الهوية والتلاحم وتناول القضايا التي تهم جميع أجزاء الوطن وتصل تأثيراتها معظم أرجائه إن لم يكن جميعها, فحماية الوطن والدفاع عنه على سبيل المثال أمر لا يمكن تركه للمناطق والمحليات، لكن في الوقت ذاته هناك قضايا خاصة بكل منطقة ومحافظة وتأثيراتها محدودة داخل نطاقها المكاني لا يمكن معالجتها والتعامل معها مركزيا لأن سكان المدن أدرى بشؤونهم وأحرص. وهذا يعني أن القضايا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ليست متماثلة لكن تتفاوت حسب مدى تأثيرها المكاني, وتبعا يستلزم من الناحية العملية أن يختص كل مستوى إداري بالقضايا والموضوعات التي تدخل ضمن نطاقه المكاني ومهامه الإشرافية. هذه التخصصية تحدد المسؤولية وتبني الخبرة لكل مستوى إداري وتجعله أكثر قدرة ودراية وإبداعا وتحمسا لقضاياه. موضوع اللامركزية يجب تناوله كقضية وطنية تتعلق بتنمية المجتمع ونقله إلى مستويات أعلى من التقدم والتطور وتعزيز الأمن الوطني، ولذا قد يكون من الخطأ اختزال اللامركزية في تفويض الصلاحيات داخل الأجهزة الحكومية وحينها يكون الخلط بين التطوير الإداري والإصلاح الإداري. التطوير الإداري يكون من أجل تفعيل ورفع كفاءة التنظيم الإداري بينما الإصلاح الإداري يعني إعادة هيكلة عملية صنع القرار العام وتوزيع المهام والسلطات بين المستويات الوطنية والمناطقية والمحلية. هذا يستلزم التفكير خارج التنظيم البيروقراطي وإيجاد مؤسسات اجتماعية أخرى لخلق التوازن والرقابة بينها حتى لا تتركز السلطات في البيروقراطيات العامة وتستحوذ على صناعة القرارات العامة. من هنا ربما كان من الأجدر تخصيص جلسة من جلسات الحوار الوطني لمناقشة اللامركزية كتنظيم وطني والبحث عن معادلة جديدة تحدد مقدار المركزية واللامركزية وتوازن بينهما لضمان الكفاءة والفاعلية في العمل الحكومي وبما يتفق مع النضج الثقافي والاقتصادي الذي تعيشه السعودية ورفع القدرة التنافسية والتمكن من مواجهة التحديات وزيادة قوة وتلاحم الوطن وراء قيادته الرشيدة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي