حوكمة المؤسسات المالية الإسلامية ودورها في تعزيز التنافسية
كما سبق في المقال الماضي الحديث عن دور الهيئات الشرعية في ظل حوكمة عمل المؤسسات المالية الإسلامية، الذي سبق أن تناول أهمية حوكمة هذا القطاع الذي يمكن أن يكون حافزا لبلوغ العالمية في العمل المالي الإسلامي، فإن الحوكمة أيضا تزيد من فرص التنافسية لدى المؤسسات المالية الإسلامية فيما بين بعضها بعضا.
والحقيقة أن سبب كتابة هذا المقال هو أن المؤسسات المالية الإسلامية نتيجة إلى عدم ضبط أعمالها وأنشطتها بإطار عام واحد أو متقارب، كان لذلك أثر في الميزة التنافسية لدى بعضها نتيجة لأنها ملزمة برأي هيئتها الشرعية التي تمنعها أحيانا من تقديم بعض المنتجات التي ترى أنها محرمة، مع إجازة هذه المعاملات من قبل هيئات شرعية لبنوك أخرى, ما يترتب عليه أن يؤثر ذلك في فرص تنافسية هذه المؤسسة مقارنة بغيرها من المؤسسات التي تقدم تلك المنتجات, وبالتالي تضعف قدرتها التنافسية مقارنة بالمؤسسات الأخرى، الذي ينعكس بالتالي على حجم نموها وتحقيقها الأرباح في السوق.
ولعل هذا السبب جعل كثيرا من المؤسسات التي تقدم منتجات مالية متوافقة مع الشريعة، تبحث عن أكثر الفقهاء تيسيرا في هذا المجال ـ هذا لا يعني الطعن في ذمم هؤلاء الفقهاء, لكن هذه آراؤهم الفقهية التي توصلوا إليها ولا بد من احترامها ما دام أنها تستند إلى أدلة معتبرة. إذ إنه مع تزايد المنافسة في هذا القطاع يلجأ عديد من المؤسسات إلى تعزيز الجوانب التي تزيد في تنافسيته حتى إن كان هذا على حساب جودة المنتجات من الناحية الفقهية.
ولذلك فعليا تجد أن كثيرا من المؤسسات المالية تبحث عن الفقيه الذي ترى أنه سيجيز قدرا أكبر من منتجاتها، وليس من خلال تفعيل دور العالم أو الفقيه في البحث والدراسة وتقديم الحلول والابتكارات وتطوير المنتجات متوافقة مع الشريعة.
ولعل الأمر الأصعب في مثل هذا هو أن هناك عددا من الفقهاء يتراجع عن فتوى أصدرها سابقا في جواز معاملة معينة ثم بعد ذلك يظهر له رأي مخالف لذلك القول, وهذا أمر طبيعي عرف منذ القدم بين الفقهاء، سواء من الأئمة الأربعة أو غيرهم، وبطبيعة الحال لو أن هذا التغير في الرأي ترتب عليه أن تتراجع تلك المؤسسات التي أخذت بتلك الفتوى عن تعاملاتها لكلفها كثيرا فيما يتعلق بالتجهيزات وثقة المتعاملين على مستوى الأفراد أو المؤسسات الأخرى، ويحدث أثرا واضحا في المؤسسات المالية. ولعل وجود عمل مؤسسي على المستوى الحكومي لضبط عمليات المؤسسات المالية الإسلامية يحد بشكل كبير من هذا الاحتمال.
وفي المؤتمر الذي أقيم في الأردن تحت عنوان ''منتدى الاستثمار والتمويل الإسلامي الأول في الشرق الأوسط''، كان هناك نقاش يتناول فعليا أهمية ضبط عمليات المؤسسات المالية الإسلامية بما يحقق المعنى الحقيقي لمجال المالية الإسلامية، ويكون ذلك من خلال عمل مؤسسي حكومي، تحت مظلة البنك المركزي يسعى إلى وضع قواعد ومعايير تحكم هذه العمليات بحيث إنها لا تكون عمليات في ظاهرها الشكلية بعيدة عن الأساس الذي من أجله أنشئت المؤسسات المالية الإسلامية، التي توفر البديل المتوافق مع الشريعة الإسلامية الذي يحقق العدالة في التعامل بين الأطراف المستفيدة كلها من المعاملة.
الحقيقة أن ضبط عمليات المؤسسات المالية الإسلامية بحيث إن الاعتماد أو الموافقة الشرعية أو الفقهية تصدر من جهة واحدة على مستوى الدولة فإن ذلك أدعى لحماية حقوق جميع المؤسسات المالية الإسلامية بحيث إن الجميع لديه فرصة متساوية لممارسة الأعمال التي يتم اعتمادها من مرجعية واحدة للجميع، تضبط عمل هذه المؤسسات ولا يكون لإحداها فرصة أكثر من الأخرى في تقديم المنتجات، وتكون الرقابة في هذه الحالة حكومية من جهة مستقلة تتأكد من مطابقة معاملة هذه المؤسسات الضوابط الشرعية.
والحقيقة أن البيئة التنافسية حتى تكون صحية وتخدم جميع الأطراف وتعزز جوانب مهمة تتعلق بقضايا تتعلق بالإبداع والابتكار، لا بد أن تتكافأ فرص الجميع، وبشكل خاص فيما يتعلق بالأنظمة والتشريعات التي تخص كل مؤسسة، ورغم الجهود الموجودة لمؤسسات مثل هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية في البحرين وغيرها من المؤسسات.
إلا أن هذه القواعد والمعايير التي تقدمها هذه المؤسسات لا تأخذ طابع الإلزام، لا الفقهي حقيقة ولا النظامي رغم أنها جهود كبيرة بذلها الفقهاء من مختلف دول العالم الإسلامي، ولذلك كان لا بد من تفعيل مثل هذه الجهود في وضع تشريعات للمؤسسات المالية الإسلامية، بالاستفادة من الجهود السابقة، والعمل على تطوير جانب حوكمة عمل المؤسسات المالية الإسلامية بما يخدم نمو هذا القطاع واكتساب ثقة عالمية.