الفتوى والإعلام والإسلام (4)
برع العرب في الشعر وعندما ظهر الإسلام كان للشعر من المكانة ما للإعلام اليوم وأكثر. ولا حاجة إلى إعادة ما تركه لنا التاريخ من وقائع وقصص وأحاديث عن دور المعلقات ومكانة الشعراء، حيث كانت تنصب لهم خيم خاصة في المناسبات المهمة.
وعندما نتحدث عن الشعر في تلك الفترة، ونذكر الأسباب والعوامل التي أدت إلى ازدهاره وحصوله على دور حيوي في حياة ذلك المجتمع قلما يخطر ببالنا أن أحد الأسباب الرئيسة كان حرية التعبير والكلمة التي كان يتمتع بها شعراء وخطباء ذلك الزمان. لقد كتبنا عن سوق عكاظ، وكيف كان الخطباء والشعراء أحرارا فيما يقولونه في منتدياته ومراسمه. وهكذا صارت الفصاحة والبيان والأسلوب اللغوي المشفوع بالإقناع والحكمة خاصية عربية وصارت القبائل تُعرف ليس فقط بسطوتها ومقدرتها على الغزو بل بشعرائها وخطبائها.
وصار العرب يهابون الكلمة قدر هيبتهم السيف. بيت شعري واحد، وليس قصيدة، كان بإمكانه وشّم شخص أو قبيلة بالعار. وكان مولد شاعر حدث ذا أهمية ترقى أهمية غزوة ناجحة. وهكذا صارت اللغة مقياس الرقي والتفوق، صارت هي المعجزة بالنسبة إلى العرب. وكلما زادت ملكة وفصاحة وحكمة شاعر ازدادت مكانة عشيرته وقبيلته. المعجزة غالبا ما تجذب الناس وتقنعهم بسهولة، ولم يكن العرب قبل الإسلام ينقصهم الكهّانة والسحرة الذين كانوا يأتون أعمالا كانت تعد خارقة في ذلك الزمان. لكن العرب، ولاسيما الذين كانوا في الجزيرة العربية، لم يعيروا لأصحاب المعجزات ذات الأهمية التي كانوا يمنحونها للغة وخطبائها وشعرائها.
كيف نعرف أن العرب لم يكترثوا بالمعجزات مثل اكتراثهم باللغة والفصاحة على خلاف معظم الشعوب؟ الجواب بسيط من وجهة نظري. لقد بذل أحبار اليهود والكهنة المسيحيون بمختلف درجاتهم كل ما في جعبتهم كي يترك العرب عبادة الأوثان وفشلوا. وتوراة اليهود، وإنجيل عيسى بن مريم يعجان بالمعجزات. كانوا يكرزون ويبشرون بين العرب في الجزيرة لكسبهم إلا أنهم لم يفلحوا. نعم حدث بعض التحول إلى المسيحية بين العرب لكن أغلبية هؤلاء كانوا يعيشون في أو بالقرب من الحواضر، وليس في الجزيرة، حيث إن المعجزة الحقيقية كانت اللغة.
وصَدِم العرب عند نزول الوحي، لأنه فاق معجزتهم بكثير، العرب الذين قاوموا كل الأديان والأفكار والغزوات، وبقوا على ما هم عليه من جاهلية، رأوا أنفسهم أمام معجزة من نوع لم يألفوه. لغة جديدة حلت بين ظهرانيهم فيها من الفصاحة والحكمة ما لم يملكه كل خطبائهم وشعرائهم قاطبة. إضافة إلى ذلك أن تلاوة اللغة الجديدة تدخل إلى القلب وتجعل صاحبه وجها لوجه أمام حقيقة كانت غائبة عنه. وحاول كثير من الشعراء والكهانة والخطباء مجاراة المعجزة الجديدة، ولكنهم سقطوا في الامتحان. ورويدا رويدا بدأ العرب استيعاب هذه المعجزة، لأنها أفحمت ما كانوا يعدونه أم المعجزات ألا وهو شعرهم. وتقبلوا المعجزة أفواجا ونقلوها إلى أصقاع الأرض.
إن كان الله - سبحانه وتعالى - قد استخدم معجزة اللغة في رسالته التي تلاها أول ما تلاها على نبي عربي أمي كي ينقلها كما هي إلى بني قومه، فكان بالأحرى على العرب المسلمين، ولاسيما أصحاب الشأن بينهم من العلماء والشيوخ، أن يوزنوا كل كلمة ينطقونها أو يكتبونها قبل نشرها في الإعلام. في رأيي المتواضع أن أصحاب الشأن بين المسلمين يتحملون وزر أي نص منسوب إليهم، ويسيء في توجهه إلى مكانة الإسلام كفكر نير وكرحمة للبشرية. الذي يكتب للإسلام في الإعلام عليه أن يتعظ أولا بالقرآن الذي أتى لتبديد الظلمات، ومحاربة الجاهلية، والظلم، والطغيان، والبغضاء، وإقصاء الآخر، ورفع شأن الإنسان كأرقى مخلوق في الكون، وأقرب مخلوق إلى الخالق.
هل يمنح المسلمون قرآنهم وإسلامهم حقه عندما ترى العالم مشغولا بفتاو يكفّر فيها المسلمون بعضهم بعضا، لا بل يدعون إلى اجتثاثهم من وجه الأرض. العرب الذين كانت اللغة معجزتهم صارت اللغة، ومع الأسف الشديد، أشبه بآفة قد تفتك بهم.
وإلى اللقاء.