الآثار الإيجابية للأزمة المالية العالمية (1 من 2)

قد يظن بعضهم أن الأزمة المالية العالمية التي عصفت باقتصادات العالم أجمع كانت كلها شرا، بما حملته من آثار سلبية هائلة طالت الجميع سواء من شاركوا فيها وصنعوها بأيديهم القذرة ونفوسهم الخبيثة، أو المساكين الأبرياء في جميع أنحاء الدنيا الذين دفعوا وما زالوا يدفعون الثمن لذنب لم يرتكبوه أو يشاركوا في صنعه بأي صورة من الصور سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، بصفة خاصة فقراء العالم الذين يعيشون بصورة معزولة تماما عما يحدث، الذين يعانون بصورة أشد نتيجة هذه الأزمة, حيث انخفض اهتمام العالم الغني بهم نتيجة تركيز الدول المانحة على الخروج من أزمتها ومن ثم خفض مستويات إعاناتها لهم، كذلك تأثرت تحويلات المهاجرين إلى العالم الفقير نتيجة لارتفاع معدلات البطالة في دول المهجر أو انخفاض مستويات الدخول فيها ما أثر بشكل سلبي في رفاهية ملايين الأسر الفقيرة في العالم ممن يعيشون على هذه التحويلات، باختصار لقد تأثر الجميع بهذه الأزمة الطاحنة، التي حملت كثيرا من الشر إلى العالم، لكن وسط كل هذا الشر هل يوجد أي أثر إيجابي للأزمة المالية العالمية الحالية؟
للوهلة الأولى قد تكون الإجابة هي: كيف يكون لمثل هذه الأزمة الطاحنة بكل ما خلفته من مآس آثار إيجابية؟ غير أن الإجابة عن هذا السؤال هي بالتأكيد نعم، هناك عديد من الآثار الإيجابية للأزمة المالية الحالية التي سنحاول اختصارها في هذا المقال، بصفة خاصة ما أسفرت عنه الأزمة من تنبيه العالم إلى هشاشة النظم المالية الحالية وضعف أسس هذه النظم، وأن الهوجة التي سادت العالم بضرورة التحرير الكامل للنظم والأسواق وفض دور الدولة، وإفساح المجال لقوى العولمة، تحتاج إلى وقفة ومراجعة شاملة. بشكل عام تولد عن الأزمة عديد من الآثار الإيجابية التي يمكن اختصارها فيما يلي:
1 ـ إصلاح النظام المالي: لقد أملت الأزمة بما تركته من آثار هائلة وما كشفت عنه من حقائق مذهلة حول مسبباتها، ضرورة الحاجة إلى إصلاح النظم المالية الحالية في العالم، حيث كان أحد الأسباب الجوهرية للأزمة أن المؤسسات المالية لا تقدر حجم المخاطر التي تتحملها، حيث كانت نظم إدارة المخاطر غير كافية، ونسب رؤوس الأموال والسيولة غير مناسبة، وعلى الرغم من أن بعض الإشارات الأولية كانت تؤكد قرب وقوع أزمة طاحنة ظهرت في كتابات بعض المراقبين مثل كتاب ''البجعة السوداء'' لنسيم طالب، فإنه ومع الأسف الشديد لا المؤسسات المالية ولا السلطات النقدية قامت بتحديد نقاط الضعف هذه، أو عملت على علاجها بالسرعة الكافية. لقد أدركت دول العالم أهمية إعادة إصلاح النظام المالي المتسيب نسبيا، وضرورة التأكد من وجود عدد من نقاط الأمان والسيطرة في النظام تعمل بمثابة نظام ''للإنذار المبكر'' لتساعد على الكشف عن أهم مواطن الخلل قبل حدوثها بوقت كاف للحيلولة دون تكرار حالات تكون الفقاعات المالية وبما يسمح بالتدخل في التوقيت المناسب قبل انفجار تلك الفقاعات لتجنب ما يمكن أن ينجم عنها من آثار.
وتتم عملية إصلاح النظام المالي حاليا على مستويين، المستوى الأول هو المستوى القطري، حيث تحاول كل دولة أن تقوم بعلاج نقاط الضعف الكامنة في نظامها المالي لتجنب احتمالات تكون الفقاعات المالية وتفادي تكوين محافظ أصول مرتفعة المخاطر، ومحاولة القضاء على الحوافز نحو تضخيم الأصول المالية من خلال السيطرة على مدفوعات المكافآت الإضافية التي يتلقاها العاملون في القطاع المالي، والتأكد من وجود نظم للرقابة والسيطرة تهدف إلى تجنب المنتجات المالية التي غالبا ما يرتفع احتمال أن تصاحبها حالات توقف عن السداد، أو المنتجات المالية مرتفعة المخاطر، والتغلب على حوافز النمو التي تستهدف تكوين مؤسسات مالية ضخمة ''أكبر من أن تسقط'' Too big to fall ليكون المال العام رهينة لتلك المؤسسات في أوقات الأزمة خوفا من النتائج التي يمكن أن تترتب على انهيار مثل هذه المؤسسات، فضلا عن إخضاع جميع المؤسسات المالية المهمة بما فيها مؤسسات الاستثمار وشركات التأمين، وليس البنوك فقط، لرقابة قوية وشاملة وعلى أساس موحد، مع التأكيد على ضرورة أن تخضع هذه المؤسسات لأشد المتطلبات المتعلقة بنسب رأس المال والسيولة، والتأكيد على أهمية إدارة المخاطر التي تتعرض لها تلك المؤسسات على نحو آمن للحد من فرص السقوط، وتميل دول العالم اليوم لأن توكل إلى بنكها المركزي دور المشرف الموحد على مختلف المؤسسات المالية، لضمان التناغم بين المستهدفات الأساسية للبنك المركزي في تعزيز الاستقرار المالي وتصميم السياسة النقدية على النحو الذي يكفل تحقيق تلك المستهدفات، ولحسن الحظ فإن الدول كافة عازمة على إصلاح نظامها المالي المحلي، وإعطاء سلطاتها الرقابية السلطة الكاملة في الرقابة والتعديل والمتابعة على النحو الذي يساعد على رفع درجة استقرار القطاع المالي.
أما المستوى الثاني وهو المستوى الأصعب نسبيا، فيتمثل في محاولة إصلاح النظام المالي الدولي، وذلك لضمان شيوع قواعد شبه موحدة تلتزم بها النظم المالية في دول العالم كافة، وذلك من خلال سعي دول العالم نحو زيادة التنسيق الدولي في هذا المجال، ومما لا شك فيه أن نجاح جهود إصلاح النظم المالية على المستوى القطري ستؤدي إلى جعل عملية إصلاح النظام المالي على المستوى الدولي مهمة أسهل، ذلك أن النظم المالية الوطنية هي جزء من شبكة النظام المالي الدولي، ومن ثم فإن التنسيق والاتفاق، على الأقل بين الدول صاحبة المراكز المالية الدولية الرئيسية، وذلك في إطار مؤسسي يضم المنظمات المتعددة الأطراف، بصفة خاصة صندوق النقد الدولي وبنك التسويات الدولية ومجلس الاستقرار المالي الدولي، يعد شرطا أساسيا لنجاح تلك الجهود. أعتقد أن المشكلة الأساسية التي سيواجهها العالم في هذا الصدد تتمثل في اختلاف فلسفة التعامل مع القطاع المالي من نظام مالي إلى آخر واختلاف درجة تطور النظم المالية وتعدد منتجاتها وآلياتها وسبل تنظيمها بصورة واضحة من دولة إلى أخرى، الأمر الذي سيجعل من مهمة التوصل إلى قواعد شبه موحدة في التنظيم والسيطرة والرقابة ومتابعة أعمال القطاع المالي مهمة ليست سهلة على النطاق العالمي.
من ناحية أخرى, فإن جهود إصلاح النظام المالي يجب هندستها بالطريقة التي لا يترتب عليها ارتفاعا في تكلفة الائتمان على المستوى الدولي حتى لا ينعكس ذلك سلبا على معدلات نمو الاقتصاد العالمي، وبصفة خاصة أن يضمن ذلك استمرار تدفق الموارد المالية اللازمة لدول العالم النامي، ومن المؤكد أن هناك ضرورة للإسراع في تنفيذ هذه المهمة، ذلك أن عنصر الوقت ليس في مصلحة عملية الإصلاح، فكلما طال الوقت اللازم لمناقشة وصياغة وتنفيذ مقترحات إصلاح النظام المالي العالمي، قل حماس العالم نحو بذل الجهد اللازم للإصلاح، وأخشى ما أخشاه أنه ربما يأتي وقت تعتبر فيه الأزمة وكأنها جزء من التاريخ الذي يعتقد أنه لن يتكرر مرة أخرى، وهو ما يترتب عليه فتور همة العالم نحو إصلاح النظام المالي العالمي، على الرغم من أن الجميع يتفق على أهمية سرعة التعاون والتنسيق في هذا المجال.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي