ممارسات الحد الأدنى للأجور في بعض دول العالم
طبق الحد الأدنى للأجور لأول مرة في نيوزيلندا عند نهاية القرن الـ 19. وبدأ ينتشر في دول العالم في القرن الـ 20 وطبق في الولايات المتحدة في نهاية الثلاثينيات من القرن الـ 20. وحدد الحد الأدنى للأجور بربع دولار في الساعة عند بداية تطبيقه في الولايات المتحدة ورفع عدة مرات بعد ذلك حتى وصل في الوقت الحالي إلى 7.25 دولار للساعة. ويوفر مثل هذا المبلغ دخلاً مقداره 14.500 دولار سنوياً للعاملين بنظام الوقت الكامل (40 ساعة في الأسبوع). وهذا الدخل ليس كافياً لانتشال أسرة من حدود الفقر في الولايات المتحدة، ولكن إذا كان هناك فردان أو أكثر من أسرة صغيرة يعملان بهذا الأجر فهو كاف لإخراجها من دائرة الفقر. ونظراً لوجود نظام فيدرالي في الولايات المتحدة فإن أنظمة الحد الأدنى من الأجور تختلف حسب الولايات، فهناك ولايات لديها تشريعات تحدد مستويات أعلى من المستوى الفيدرالي (يصل إلى 8.55 دولار للساعة في ولاية واشنطن)، وأخرى تطبق أقل، ومعظمها تطبق المستوى الفيدرالي نفسه. وبعض الولايات ليس لديها تشريعات للحد الأدنى للأجور. ولكن على كل حال فإن السيادة في التشريعات هي للأنظمة الفيدرالية في القطاعات والمؤسسات التي تغطيها الأنظمة الفيدرالية. وتطبق بعض الولايات الحد الأدنى للأجور على جميع العمالة التي لا تعمل لنفسها. وتضع ولايات أخرى شروطاً مختلفة لتطبيق الحد الأدنى للأجور. فالبعض يضع حداً أدنى لعدد العمالة العاملة في المنشأة والبعض الآخر يحدد مستوى أدنى لدخل المنشأة. كما تحدد أنظمة بعض الولايات مستويات أجور أعلى للعمل الإضافي أو في العطل.
أما المملكة المتحدة فلم تطبقه إلا في وقت متأخر وكانت المعارضة شديدة من أصحاب الأعمال والمحافظين، ولكن مع مرور عدة سنوات حظي بالقبول. ويوجد في المملكة المتحدة ثلاثة مستويات للحد الأدنى للأجور. ويبلغ الحد الأدنى للأجور 5.8 جنيه استرليني في الساعة للعاملين الذين تتجاوز أعمارهم 22 عاماً، 4.83 جنيه استرليني للعاملين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و21 عاماً، 3.57 جنيه استرليني في الساعة للعاملين الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و17 عاماً. وتحديد مستويات أقل لصغار السن يهدف على ما يبدو إلى زيادة فرصهم للحصول على أعمال والتعويض بعض الشيء عن انخفاض خبراتهم العملية والتي ربما لا تؤهلهم للحصول على أعمال عند مستويات العاملين الأكبر سناً، مستهدفاً خفض معدلات البطالة بينهم. وتخضع الأنظمة البريطانية الأجور المدفوعة للعمالة للحد الأدنى للأجور حتى لو وقعت العمالة عقود أعمال بأجور تقل عن مستويات الحد الأدنى للأجور. ويبلغ الحد الأدنى للأجور 8.82 يورو في فرنسا ويجري تعديله بشكل سنوي. وتوجد حدود دنيا للأجور في اليابان ولكنها تتوقف على المنطقة والصناعة. ولا توجد تشريعات للحد الأدنى للأجور في بعض الدول ولكن وجود اتحادات عمالية قوية يفرض حدوداً دنيا للأجور مما يجعلها مطبقةً على أرض الواقع، ومن هذه الدول ألمانيا وسويسرا والدنمارك وإيطاليا والسويد والنمسا. وتطبق بعض الدول مثل الصين وروسيا والبرازيل حدوداً دنيا للأجور الشهرية.
وانتشار تطبيق الحد الأدنى للأجور يدل على قبوله وأنه يعمل بشكل مرض. ولهذا لا أعتقد أن تطبيقه في المملكة سيكون سلبياً وسيحظى بالقبول مع مرور الوقت مع أن أصحاب الأعمال سيبدون معارضة شديدة لأي نظام يضع حداً أدنى للأجور. ويركز بعض المعارضين للحد الأدنى للأجور على مسألة تسببه في رفع البطالة ولكن الشواهد العملية في مختلف دول العالم لا تؤيد مثل هذا الرأي, ويرى المؤيدون للحد الأدنى من الأجور أن عددا كبيرا من الأعمال يتصرف كمحتكرين ويدفع أجوراً تقل عن الأجور الممكن تلقيها لو كانت سوق العمل تنافسية، ولهذا ينبغي إجبار محتكري التوظيف على دفع أجور تنسجم مع إنتاجية العمالة.
وتشير عدد من الدراسات العملية التي تدرس العلاقة بين تطبيق الحد الأدنى للأجور والبطالة إلى انخفاض المؤشرات على تسببه في رفع البطالة. وقد يكون هذا عائداً إلى عدة أسباب والتي منها قرب مستويات الحدود الدنيا للأجور من المستويات التوازنية للعمالة منخفضة المهارة، وقدرة المنتجين على تمرير ارتفاع التكاليف إلى المستهلكين، وكذلك كونهم يدفعون أجوراً أقل بكثير من العوائد المتحصلة من تشغيل العمالة. ومن إيجابيات الحد الأدنى للأجور الاعتقاد بأنه يشجع العمالة على رفع إنتاجيتها والعمل بجدية أكبر ويرفع أخلاقيات العمل لديها وذلك للمحافظة على وظائفها، كما يدفع المشغلين إلى بذل جهود أكبر في اختيار العمالة وتحسين سبل إدارتها للحصول على مردود أعلى من تشغيلها. ومن المنافع المتوقعة للحد الأدنى للأجور أن الدخل الإضافي الذي تحصل عليه العمالة يرفع الاستهلاك الخاص مما ينشط الاقتصاد ويقود إلى رفع الاستثمار وبذلك يساعد في دفع معدلات النمو. ويساعد الحد الأدنى للأجور في خفض المساعدات الاجتماعية التي تتحملها الدولة مما يوفر مبالغ مالية يمكن استخدامها لرفع مستويات الخدمات الاجتماعية كالتعليم والصحة. إن من الممكن الاستفادة من تجارب الدول الأخرى في مجالات الحد الأدنى للأجور واختيار ما يلائم ظروف المملكة. تتحمل وزارة العمل مسؤولية أخلاقية بالدفاع عن حقوق العمالة. وسيسهم وضع حد أدنى للأجور في تحسين مستويات الحياة للعمالة منخفضة الأجور ويقوي من قدرتهم على تحمل أعباء الحياة. وينبغي أن يكون الحد الأدنى للأجور شاملاً لجميع القوى العاملة بغض النظر عن جنسيتها، حيث إن تحديده فقط للأيدي العاملة الوطنية سيقلل من فاعليته ويؤدي في النهاية إلى القضاء عليه من الوجهة العملية.