متى تطور هيئة الخبراء؟
هيئة الخبراء التابعة لمجلس الوزراء ليست هيئة لكل الخبراء والخبرات، بل هي هيئة للخبراء والمستشارين النظاميين أو القانونيين. ومن ثم فالتسمية فيها شيء من التساهل وربما ضللت السامع. هناك حاجة ماسة إلى توسيع تخصصات الهيئة لتضم خبراء ومستشارين في الاختصاصات كافة. وتفرض الحاجة إلى التوسيع تنوع تخصصات الموضوعات المبحوثة في الهيئة، وطبيعة أعمال المجالس العليا التي تخدمها هذه الهيئة. إن تنوع تخصصات الهيئات الاستشارية للمجالس العليا كالبرلمانات ومجالس الوزراء هو ما تسير عليه الدول المتطورة إداريا.وزيادة في التوضيح، نص تنظيم المجلس الاقتصادي على تزويده بعدد من المختصين في مجالات الاقتصاد والمال والتخطيط والتجارة الدولية والإدارة والأنظمة (القانون). والحقيقة أن هذا التزويد بالمستشارين المتخصصين يفترض أيضا أن يعم المجالس العالية الأخرى كالشورى والبترول وقبلهما مجلس الوزراء. وهذا ليس بابتداع فهو ما تطبقه المجالس الرفيعة المستوى في الدول الأخرى، حيث تستعين بجيوش من المستشارين والخبراء في مجالات عمل تلك المجالس وهي مجالات تغطي فروعا كثيرة من المعرفة، ولا أظن أن هناك حاجة إلى سردها. من أمثل هذه الدول الولايات المتحدة، مثلا الجهاز التشريعي فيها (الكونجرس) يخدمه فريق كبير من باحثين وخبراء ومستشارين في شتى التخصصات من قانونية وإدارية واقتصادية وهندسية وبيئية وصحية وزراعية وغيرها، تحت مسمى خدمات الكونجرس البحثية The Congressional Research Service CRS.
ويبلغ عدد هؤلاء المستشارين بالمئات، موزعين حسب التخصص، إلا أنه توجد لجان مشتركة بين أكثر من تخصص حسب الحاجة. ومن الجدير أن أشير إلى أن هؤلاء المستشارين وظفوا بناء على توافر مؤهلات ومهارات عالية، كما أن ترقياتهم تخضع لضوابط واختبارات تقويمية صارمة.
بدلا من الازدواجية والتضخم الوظيفي عبر تعيين مستشارين وخبراء في كل مجلس من المجالس الثلاثة الوزراء والبترول والاقتصاد، فإن الأنسب هو وجود جهة استشارية بحثية واحدة تخدم تلك المجالس. ولا أرى حاجة إلى إنشاء هذه الجهة الاستشارية، فهناك هيئة الخبراء التابعة لمجلس الوزراء، لكن المستشارين في هذه الهيئة مقصور اختصاصهم على الشريعة والقانون فقط، ومن ثم فإن هناك حاجة ماسة إلى توسيع الهيئة لتضم الاختصاصات كافة.
الطاقم الاستشاري أو الفني العامل في هذه الهيئة ينبغي أن يكون مرجعا فنيا للأجهزة الحكومية مثل مرجعية المستشفى التخصصي للمستشفيات العامة، ولذا يجب أن يكون هذا الطاقم من المؤهلين تأهيلا عاليا علميا وعمليا حسب الاختصاص. تحقيق ذلك يتطلب وضع معايير عالية في توظيفهم أعلى من المعايير الموجودة الآن (أعني معايير الخدمة المدنية الحالية في التعيين والترقية المطبقة على الهيئة)، ولهذا ينبغي الاستعانة بجهة/ جهات خارجية ـ مثلا صندوق النقد الدولي للتخصصات الاقتصادية - لمساعدة الهيئة ـ ومساعدة وزارة الخدمة المدنية - في تصنيف وتوصيف ومواصفات وظائف أولئك المتخصصين، وفي طرق اختيارهم ومتطلبات وطرق ترقياتهم. وفي هذا أشير إلى ثلاثة أمور مهمة:
الأول: تصنيف الوظائف التخصصية في نظام الخدمة المدنية الحكومية وطرق اختيار المتخصصين وتقويم العاملين على الوظائف التخصصية, كل هذا فيه من العيوب ما لا يؤمل منه تحقيق الطموح السابق ذكره في مستوى المتخصصين، وهذا يتطلب مراجعة وتطوير ذلك التصنيف.
والحقيقة أن الجهاز الحكومي (السعودي) يعاني انخفاضا بينا في أدائه المهني. ومن علامات هذا الانخفاض ما نراه من دأب الأجهزة الحكومية منذ عشرات السنين على الاستعانة بمتخصصين من خارجها مباشرة أو عبر اتفاقيات مع دول أجنبية ومنظمات دولية وجهات تعليمية واستشارية محلية أو أجنبية، لتقديم خدمات استشارية وإعداد دراسات وتقارير في مجالات اقتصادية أو زراعية أو مالية أو قانونية أو تنظيمية ونحوها مما كان مفترضا أن ينجز أكثره بواسطة متخصصي الأجهزة الحكومية المعنية نفسها، أسوة بما يحدث في دول أخرى كثيرة.
إن ضعف الأداء المهني هو في المقام الأول انعكاس لضعف المستوى العلمي والمهني في الموظفين المتخصصين، الذي يعني قلة أو ندرة من يمكن الاعتماد عليهم في إنجاز أو الإشراف على إنجاز أو تطوير أعمال تتطلب مهارات وخبرات عالية أو خاصة في تخصصات ومعارف متنوعة، كتخصصات الإنتاج الزراعي والحيواني والعلوم الطبية التطبيقية والعلوم الهندسية والإحصاء والشريعة والقانون والتمويل والاقتصاد وإدارة الأعمال والعلاقات الدولية.
هناك أسباب عديدة لذلك الانخفاض في المستوى المهني، ولكن المقام ليس مناسبا لمناقشتها. ولا في طرح مقترحات لرفع المستوى المهني في الحكومة. ولكني أدعو الهيئة ووزارة الخدمة المدنية ومعهد الإدارة العامة لبحث هذه النقاط وعرضها للدراسة والنقاش، وإخضاعها للمقارنات الدولية، فالحكمة ضالة المؤمن.
الثاني: الصرامة في اختيار المتخصصين يجب أن تقابل بمزايا مادية.
لا يتوقع من المخصصات المالية حسب أنظمة الخدمة المدنية الحالية أن تغري كفاءات متخصصة عالية المهارة للعمل، ومن ثم فلابد من إعطاء الهيئة صلاحيات توظيفية تتيح لها منح مخصصات مالية منافسة تجذب تلك الكفاءات. ولكن لابد من وضع وتطبيق قواعد صارمة لمنع استغلال تلك الصلاحيات في تعيين من ليست كفاءتهم بالمستوى المنشود. ومن أمثلة تلك القواعد إدخال جهات تقييم خارجية لمعاونة الهيئة في تقييم مستوى المرشحين على الوظائف المتخصصة.
الثالث: يستحسن عدم الاقتصار على السعوديين، بل الأفضل أن يوظف معهم عدد من المؤهلين غير السعوديين بشرط حسن الاختيار لهم، تماما مثل حسن اختيار الاستشاريين في المراكز الطبية الرفيعة المستوى، وتجعل الوظائف في إطار تصنيفي واحد أساسه المقدرة.
وبالله التوفيق.