رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


تجارب ناجحة في الإدارة المحلية السعودية (2 من 2)

تحدثت في الأسبوع الماضي عن بعض التجارب التي قدمت في ورشة عمل تحمل عنوان المقال نفسه. وقبل مواصلة الحديث عن بقية التجارب في الورشة التي عقدت في رحاب مركز الأمير سلمان للإدارة المحلية في جامعة الأمير سلطان أود أن أعلق على بعض الردود التي وردت وتباينت بين ترحيب بعقد مثل هذه الورش وأخرى رأت أن هناك مبالغة في وصفها بالتجارب الناجحة. وعلى أن الوصف في ظاهره مبالغة إلا أنه لم يقصد به المجاملة والتنميق وإنما التشجيع والدفع نحو مبادرات جديدة. فكون هؤلاء القياديين وأمثالهم بادروا وتخلوا عن المعتاد وكسروا الروتين فهو في حد ذاته نجاح للإدارة المحلية لأنهم بذلك يؤسسون لفكر إداري جديد ويصوغون نموذجا يقود نحو التطوير والتنمية المحلية, والأهم أنهم يثبتون أن القيادات والمجتمعات المحلية راغبة وقادرة على إدارة شؤونها وأنها بلغت حالة من النضج يحتم منحها مزيدا من الصلاحيات المالية والإدارية لتقوم بأدوار أكبر وأوسع وتحمل مسؤولية رعاية مصالح السكان المحليين بشكل أفضل, ونهج يستوعب متطلبات المجتمع المحلي ويرسم مستقبله ويجعله أكثر قدرة على المنافسة وتنمية الاقتصاد المحلي. هذه التجارب أو المبادرات تنم عن رغبة أكيدة لهؤلاء القياديين نحو البحث عن الأفضل حتى إن كان ذلك يعني التخلي عن منطقة الراحة والأمان والبيات البيروقراطي إلى وضع أكثر حراكا يتطلب جهدا ذهنيا ونفسيا وعضليا تنتابه التحديات والمشكلات ومليء بالمعارضات والمعوقات. هذا أمر في غاية الصعوبة, ومكمن صعوبته في مواجهة أولئك الذين يستمتعون بالركود والجمود والدعة والاستكانة إلى ما اعتادوه وليس لديهم الطاقة والفكر والرغبة في التغيير والتطوير والانتقال بالمجتمع إلى مراحل أكثر تقدما وتحضرا. إنهم أعداء النجاح يتلذذون بجلد الذات ويلقون باللائمة على الجميع ما عدا أنفسهم, وهذا جوهر المشكلة في التنمية الوطنية عندما يعتقد بعضهم ألا دخل لهم بالمشكلة فيتخلون عن مسؤولياتهم ولا يقومون بأدوارهم, وهكذا نحصل على تنمية عرجاء يعوقها أولئك الذين رغبوا عن العمل واكتفوا بأن يتفرجوا مسترخين يستمتعون بتوجيه الانتقادات وأصابع الاتهام لأولئك الذين أثروا العمل والجد والاجتهاد ولم يرضوا بالوقوف مكتوفي الأيدي والتحجج بأن النظام لا يسمح, أو التباكي بأن الصلاحيات ضيقة, فهذا ما لا يسع القياديين المبادرين قبوله وترك الأحداث تسيرهم والاستسلام للوضع الإداري. ما لا يفهمه الآخرون أن هؤلاء القياديين يمتلكون سمات ومهارات تميزهم عن غيرهم, وهي قدرتهم على تصور المستقبل وفهم المتغيرات وتحليل الأوضاع والمبادرة بنقل المجتمع إلى حدود جديدة من التقدم, والسير بالمجتمع إلى مكان لم يسبر أغواره أحد قبلهم, فهم يمتلكون الشجاعة والمجازفة والمخاطرة المحسوبة وحب الاستكشاف والبحث عن بدائل وحلول جديدة. هم أصحاب رأي وفكر يقودون بالقدوة فيتقدمون الصفوف ويشعلون الدروب المظلمة بفكرهم النير وقدرتهم على الاتصال والتواصل مع الآخرين ليحفزوهم ويدفعوهم إلى خوض التجربة معهم متسلحين بإيمانهم, شعارهم ''النجاح حليف العاملين المجتهدين''. من أجل ذلك تم اختيار عنوان ورشة العمل ''تجارب ناجحة في الإدارة المحلية السعودية'', إذ إن مقياس النجاح لا يقتصر على النتائج وحسب, لكن المبادرة وجلب أفكار جديدة في المقام الأول, فهي أساس العمل ومنبعه, فالأفكار هي الانطلاقة والقوة الدافعة والبوصلة التي تحدد الاتجاه, فما فائدة العمل والاجتهاد في الاتجاه الخطأ؟ وماذا يعني الوصول في الوقت المناسب لكن للمحطة الخطأ؟ الأهداف في أصلها من بنات أفكار القياديين المميزين, وبالتالي حسب فكر القيادي المحلي يكون المجتمع المحلي وتكون وجهته وقدرته على التقدم والمنافسة. النجاح هو في البحث عن الأفضل والرغبة في تحقيق الإنجاز, ليس أمنيات وردية وتمنيات عاطفية وأضغاث أحلام، إنما أفكار مبدعة وعمل جاد والتزام تام وتحريك للموارد واستجلاب للدعم والمساندة وتحين للفرص. هذا ما لا يستطيعه ولا يفهمه ولا يرغب فيه المتفرجون السلبيون المنسحبون المتقاعسون ليكتفوا بالانتقاد ويتخفوا وراءه، لينبروا يثبطون العزائم ويقللون من قدر المبادرات ومستوى الإنجازات وينذروا أنفسهم لتعطيل النجاح والتصدي له ليكونوا عقبة كؤودا في طريق القياديين المتميزين حسدا من عند أنفسهم. هؤلاء يقولون ما لا يفعلون و''كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون''. إلا أن القياديين المميزين لا يلقون بالا لترهات الفاشلين، قدوتهم نبي الله محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ فكم لقي من أذى في سبيل دعوته الحضارية العالمية التي نقلت الحفاة العراة إلى قيادة العالم ونشر السلام والرخاء في ربوع المعمورة. لذا فإن خوض التجربة في حد ذاته نجاح, من هنا كانت تسمية الورشة بتجارب ناجحة حتى إن لم يتحقق الكثير, فقد كان لهؤلاء القياديين شرف المحاولة.
والآن لنعد إلى قصص النجاح ومواصلة الحديث عن التجارب التي قدمت في الورشة والتي عرضنا لبعضها في مقال الأسبوع الماضي. هناك تجربة المجلس البلدي في الجبيل الرائعة التي قدمها رئيس المجلس الدكتور إبراهيم العتيبي. التجربة كانت حول تفعيل مشاركة سكان الجبيل في صناعة قرارات المجلس. الفكرة تتمحور حول اختيار ممثلين من كل حي سكني للمشاركة في اجتماعات المجلس والاستماع إلى مشكلاتهم وأفكارهم. السبب الرئيس وراء هذه المبادرة يقول الدكتور العتيبي إن المجلس البلدي في الجبيل رأى أن المداخلات في الاجتماعات العامة مع السكان كانت تجنح في كثير من الأحيان إلى القضايا والاهتمامات الخاصة على حساب القضايا العامة. وهذا يعود إلى أن الناس لم يعتادوا المداخلة والمشاركة في صنع القرارات العامة وبالتالي لا يتملكون قضاياهم وليس لديهم القدرة والرغبة في صياغة رؤية مشتركة وتحقيق المنفعة الجماعية. وهذا ما يجعل التجربة مميزة ومهمة، فقد ساعدت على وضع أولويات ومبادرات للمجتمع المحلي وازدادت نجاحا بضم بعض الشباب دون سن العشرين ليكونوا صوت الشباب في المجلس البلدي وينقلوا همومهم واحتياجاتهم خاصة أنهم يمثلون الغالبية من السكان. تجربة أخرى كانت من مجلس بلدي القطيف قدمها الدكتور رياض المصطفى, التجربة ارتكزت على إعداد استراتيجية للعمل البلدي وتحديد الأولويات والتعرف على الفجوة بين الوضع الراهن والوضع المرغوب ومن ثم البحث عن الموارد داخل الإطار الرسمي والمطالبة بزيادة المخصصات المالية, وكذلك نقل المطالبات لأصحاب القرار والتعريف بهذه الاحتياجات. ثم عرض الدكتور المصطفى إلى توزيع الأدوار بين أعضاء المجلس خاصة فيما يتعلق بتخصيص كل عضو لمتابعة مجموعة من الأحياء داخل المدينة.
الأفكار والأطروحات لم تقتصر على مقدمي الأوراق بل كانت هناك مداخلات أثرت النقاش, وقد تكون من أبرزها مداخلات خالد العساف محافظ الرس, الذي عكست مداخلاته عمق تجربته الإدارية وثقافته بالعمل الحكومي المحلي ومستواه العلمي العالي وتطلعاته التطويرية والتنويرية. وتتلخص الأفكار التي طرحها في أن القيادي الناجح يستلزم عليه تحمل المسؤولية تجاه المجتمع المحلي مهما كانت التكلفة حتى إن كان ذلك خارج حدود المركز الوظيفي وتطلب القيام بأدوار اجتماعية متعددة ومتنوعة. أما الدكتور فهد الخليفة مدير الأوقاف في عنيزة فقد أثار عدة قضايا وتساؤلات في الإدارة المحلية تركزت حول إيجاد الفرص والإعداد للمستقبل وتكوين جهاز إداري قادر على تنفيذ الخطط وتقديم خدمات متميزة لمستخدمي الخدمة. كما تقدم عبد الكريم الشمالي عضو مجلس بلدي المزاحمية بأفكار جريئة وإبداعية استثارت النقاش وأضافت الكثير للمشاركين.
تطوير القدرات المحلية أمر في غاية الأهمية, وتشجيع القياديين المحليين على قيادة المجتمعات المحلية وتطبيق أفكارهم بشكل فاعل, مرهون بمساحة الصلاحيات الممنوحة لهم. التنمية المحلية هي جذور التنمية الوطنية, وبالتالي يتطلب العناية بها ورعايتها بصياغة نظام خاص بها يحدد الأدوار والمرجعيات ونطاق الصلاحيات الإدارية والمكانية. هكذا تستطيع القيادات المحلية صناعة المستقبل ومواجهة المتغيرات ''فأفضل طريقة لإدارة التغيير صناعته''.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي