رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


دور الهيئات الشرعية في ظل حوكمة المؤسسات المالية الإسلامية

الحوكمة هي عبارة عن مصطلح يستخدم للتأكيد على ضبط أي عمل، ليحقق المقصود من ذلك العمل وليحد من التجاوزات التي يمكن أن تضر بذوي العلاقة، سواء كانوا مستثمرين أو مساهمين أو حتى الدولة التي تحتضن هذه الأعمال, حيث تتأثر بالتجاوزات التي تقع من خلال هذا العمل. وتأتي الحوكمة في الغالب في أعمال المؤسسات الكبرى التي عندما تكون فيها أي مجازفة أو تلاعب، فإن ذلك لا يؤثر في عدد محدود، بل يؤثر في مجموعة كبيرة من الناس والاقتصاد العام للدول، ولذلك نجد أن هذا المصطلح يتكرر في العمل المصرفي، وأعمال الشركات، خصوصا المساهمة التي تتطلب حفظ حقوق المساهمين الصغار الذين قد لا يكون لقراراتهم أثر كبير في الشركة مقارنة بأصحاب الحصص الأكبر, ما قد يؤدي إلى تعارض المصالح.
ولعله بعد التوسع الكبير الذي شهدته المالية الإسلامية خلال العقود الماضية، خصوصا في السنوات الأخيرة, الذي جعلها محط أنظار الشرق والغرب، وأنها تعد فرصة للنمو في المستقبل مع تدفق السيولة الكبيرة، وصغر حجمها جدا حاليا مقارنة بالمالية التقليدية، يجعل لديها فرصا في استمرار هذا النمو, خصوصا مع تزايد الثقة بهذا القطاع، ودعم الدول الاقتصادية الكبرى لدخول واستقطاب المالية الإسلامية.
ما سبق يعد صورة إيجابية لمستقبل المالية الإسلامية على المستوى العالمي، لكن في الوقت نفسه يعد عامل ضغط على النظام المالي الإسلامي ليكون لديه الأطر والقواعد والأنظمة والتشريعات التي تضبط العمل فيه، ليحقق المقصود منه وهو انضباطه بأحكام الشريعة، وأن يكون بمعايير مالية عالمية، بحيث لا يكون مدخلا للتجاوزات والإضرار بمصالح ذوي العلاقة، سواء كان على مستوى الدول أو الأفراد، المستثمرين أو المستفيدين.
والحقيقة إن المالية الإسلامية إذا ما أرادت أن تخوض غمار المنافسة العالمية، فلا بد من أن يكون لديها إطار واضح، يتوافق مع الشريعة ويحد من تعارض المصالح، ويزيد من مصداقية هذا العمل، ويكسب ثقة المؤسسات والمنظمات الدولية، خصوصا أن هناك اهتماما بهذا الموضوع على مستوى البنك الدولي، حيث إنه أبدى استعداده للتعاون على وضع معايير لعمل المؤسسات المالية الإسلامية.
حكومة المؤسسات المالية الإسلامية في هذه المرحلة يعد تحديا يعكس مزيدا من النجاحات التي حققتها خلال الفترة الماضية على مستوى النمو.
ويبقى أن نتساءل في حال إذا ما تم العمل على حوكمة عمل المؤسسات المالية الإسلامية .. فما أثر ذلك في وضع الهيئات الشرعية القائم؟
الحقيقة أن منظومة الفتوى المتعلقة بالمؤسسات المالية الإسلامية نشأت تقريبا مع نشأتها، إذ إنها نوع من دعم موافقة هذا العمل مع الأطر العامة للشريعة، خصوصا أن من يعمل في هذا القطاع, وإن كان حسن النية ولديه رغبة في مطابقة أعماله الشريعة, إلا أنه ليس بالضرورة قادرا على معرفة الحكم الصحيح, خصوصا أن النظام المالي المعاصر نشأ في بيئة تقليدية لا تلتزم بأحكام الشريعة الإسلامية، وتطور هذا العمل إلى أن أخذ طابع السمة العامة لأي مؤسسة تريد أن تقدم منتجا ماليا تتأكد من أنه متوافق مع الشريعة، ويحظى بموافقة الهيئة الشرعية, وبالتالي ثقة الناس الذين يرغبون في أن تلتزم أعمالهم بالشريعة الإسلامية.
إلا أنه وبعد هذا التوسع الكبير في حجم المالية الإسلامية، أصبح من الصعوبة بمكان أن يستمر الأمر من خلال هذا العمل الفردي، لأنه قد يكون له أثر سلبي في ذوي العلاقة، حيث إن المؤسسات المالية اليوم من الممكن أن تجعل مثل هذا العمل مدخلا للتجاوزات، بأن يكون هذا العمل مثلا فعلا متوافقا مع الشريعة, لكن في الوقت نفسه غير منضبط بالمعايير التي تحفظ حقوق الجميع، وكان ذلك واضحا في المساهمات العقارية، التي في شكلها العام لا يظهر عدم موافقتها الشريعة، لكن عدم ضبط أعمالها، جعلها تحقق مصالح فئة على حساب فئة أخرى، وأن تكون وسيلة للتلاعب والتجاوزات، ومن الممكن أن يتم ذلك على مستوى عمل المؤسسات المالية الإسلامية.
كما أنه في الوقت نفسه يؤثر في عمل المؤسسات المالية نفسها, حيث إن المؤسسات التي لديها هيئة شرعية أكثر توسعا في قراراتها، ستكون لديها فرص أكبر من المؤسسات التي لديها هيئة شرعية تكون أقل توسعا من سابقتها. وهذا يؤثر بشكل مباشر في فرصة التنافسية لهذه المؤسسات. وهذا بدوره جعل كثيرا من المؤسسات تتبع الفقهاء الأكثر توسعا وشهرة في الوقت نفسه ليزيد من فرص التنافسية لديها، ويؤثر من الناحية التسويقية.
فضبط عمل المؤسسات المالية الإسلامية ربما يؤثر بشكل أو آخر في الوضع الحالي لعمل الهيئات الشرعية، ما دام أن المؤسسات المالية التي تريد مطابقة أعمالها بالشريعة الإسلامية تستطيع أن تحصل على ذلك من خلال مؤسسة حكومية معتمدة وذات ثقة بشكل أكبر.
وما سبق لا يعني أن ينتهي دور الهيئات الشرعية القائمة لكن بالإمكان أن تلعب دورا مهما في عملية وضع الضوابط لعمل المؤسسات المالية الإسلامية، ومن الممكن أن يكونوا جزءا من عملية ضبط عمل المؤسسات المالية الإسلامية من خلال عملهم كمستشارين ومشرفين على الباحثين والمراقبين الشرعيين لتلك المؤسسات المالية. أو أن يأخذ هذا العمل الطابع المؤسسي بأن تكون هناك مكاتب استشارية لإعطاء الاقتراحات والنصائح اللازمة للمؤسسات المالية الإسلامية لتضبط عملها بناء على الأطر العامة لعمل المؤسسات المالية الإسلامية.
يبقى أن هناك أمرا مهما ينبغي أن تأخذه المؤسسات المالية الإسلامية في الاعتبار، وهو أن اكتسابها صفة الإسلامية أو المطابقة للشريعة كان بهدف تمييزها عن النموذج التقليدي المحرم, ولذلك ينبغي ألا يكون وسيلة تسويقية. فهو قد يتناقض مع كثير من المبادئ العامة للإسلام التي تحث على عدم تزكية النفس، وألا يتم التسويق من خلال الدين، حتى أن النبي -ـ صلى الله عليه وسلم - نهى أن ينشد المسلم ضالته التي فقدها في المسجد, فضلا عن المتاجرة، في إشارة إلى الاحتياط في عدم استخدام مواطن العبادة أو الدين لتحقيق هدف دنيوي. وقد يؤدي إلى أن تتحمل هذه المؤسسات عبء الطعن في الإسلام بسبب خطأ غير مقصود، وهذا مع الأسف تم التلميح له كثيرا في بعض الملتقيات.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي