رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الفتوى والإعلام والإسلام (3)

أعداء الإسلام وعدد لا بأس به من أنصاره وأتباعه يقولون إن المسلمين، ولا سيما علماؤهم وشيوخهم ودعاتهم، لا يملكون حنكة كافية للتعامل مع الإعلام الحديث. كثيرون من محبي الإسلام والمسلمين من أمثالي قد يتفقون مع هذا الطرح، لكنهم يرفضون إطلاق تصريحات قطعية كهذه. السبب واضح وبسيط لكل متضلع في الإسلام. من أبرز مبادئ الإسلام، من وجهة نظري المتواضعة، هي الصدق والأمانة وقول الحقيقة والتوافق بين ما ينطقه اللسان وما يخبئه الصدر وإشهار العقيدة وأحكامها وإن بدت غير مقبولة للآخرين. وأبعد ما يكون عن هذه المبادئ هو الإعلام.
الإعلام اليوم بمثابة مطبخ يديره طباخون ماهرون واجبهم إعداد وصفات وأكلات يستذوقها أصحاب النعمة عليهم. وهؤلاء الطباخون يغيّرون أكلاتهم حسب ذوق أصحاب النعمة. ولهذا عندما كان الأفغان يحاربون الغزو السوفياتي لبلادهم في الثمانينيات من القرن الماضي كان المطبخ الإعلامي الغربي وغيره يعدّ أفضل الأكلات لهم – أي ينعتهم ويصفهم بكل ما تمنحه اللغة من صفات ونعوت حسنة. ولأن الأفغان اليوم يحاربون غزاة آخرين (أصحاب النعمة) هرع الطباخون إلى قواميس اللغة واستقوا منها كل ما هو غير حسن لوصفهم ونعتهم. أما الشيشانيون الذين يحاربون تحت لواء المبادئ ذاتها التي حارب ويحارب الأفغان من أجلها، فلهم نعوت غير سلبية لأنهم يقاتلون الروس.
في الإمكان الاستشهاد بعشرات الأمثلة، ووضع إسرائيل والموقف منها خير شاهد. كلما تقرّب فرد أو منظمة أو حتى دولة من إسرائيل وسياساتها زادت محاسنهم في الإعلام والسياسة الغربية. وكلما زاد عداؤهم لإسرائيل وسياساتها كثرت مساوئهم في الإعلام والسياسة الغربية ولتذهب إلى الجحيم حقوق الإنسان ومبادئ الحرية والديمقراطية. والحديث عن العراق وغزو عام 2003 حديث ذو شجون.
هل للإسلام مكانة ودور في هذا العالم الإعلامي المليء بالأكاذيب والنفاق والرياء؟ قبل الجواب عن هذا السؤال البالغ الأهمية، دعونا نثير سؤالا قلما تطرق إليه العلماء من المسلمين وناقشوه وهو هل كان للإسلام تعامل ولا سيما في فترة نشأته مع الإعلام؟ أنا أقول نعم كان للإعلام دور في الرسالة، وإن الإسلام وضع في الحسبان كثيرا من الأمور التي قد لا نرى جوابا شافيا لها اليوم. عندما ظهر الإسلام في الجزيرة العربية كان الشعر العربي في أوج عظمته. وهذا لا يحتاج إلى مناقشة. في السيرة وفي مصادر أخرى هناك كثير عن معارك إعلامية شعرية يخوضها المسلمون مع غير المسلمين من العرب. ومن أجمل ما قرأت في السيرة معركة الشاعر الجاهلي أمية بن أبي الصلت مع الرسول والمسلمين وكيف أنه كان يهجو محمدا وأصحابه ويرثي القتلى من المشركين، لا بل زاد هذا الشاعر في خصومة محمد، حيث يروى أنه حاول النهوض لمعجزة الإسلام، القرآن، بشعره. إلا أن العرب، أصحاب الفصاحة والبيان، استهجنوا أشعاره وكتاباته. محاولة أمية بن أبي الصلت لم ترق إلى تحدي أحبار اليهود ورهبان وقسس وأساقفة النصارى، الذين رغم علمهم الغزير، فشلوا في النهوض للقرآن. وزاد حمى هذه المعركة وطيسا وكان من الصعب جدا على العرب، مسلمين ومشركين، تجاهل دور هذا الصراع الإعلامي بينهم. والكل كان ينتظر تدخل الوحي حتى نزلت الآية: «والشعراء يتبعهم الغاوون ..» والتي وإن قيل إنها نزلت كي تردع شعراء من ضمنهم أمية بن أبي الصلت، إلا أنها لم تسد الباب أمام السجال الشعري (الإعلامي) على مصراعيه لأنها استثنت «الذين آمنوا وعملوا الصالحات..».
ولنكتف بهذا القدر ونعود في الجمعة المقبلة ونناقش لماذا لم يبرع العرب المسلمون في الإعلام اليوم كما برعوا في الشعر في صدر الرسالة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي