رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الطلب والإمدادات وأسعار النفط .. إلى أين؟

في الربع الرابع من العام الماضي، وبعد عدة أشهر من خفض توقعاتها على الطلب على النفط لعام 2009 وعام 2010، اعترفت وكالة الطاقة الدولية بأن توقعاتها السابقة بخصوص الطلب على النفط كانت سلبية جداً. لكن النمو القوي في الطلب على النفط في الصين والحوافز المالية العالمية أديا إلى تحسن التوقعات في انخفاض الطلب عام 2009 من نحو 2 في المائة إلى أقل من 1.5 في المائة، كان هذا أول انخفاض في الطلب العالمي على النفط منذ عام 1993, لكن قوة الانتعاش في أسعار النفط كانت المفاجأة الكبرى عام 2009. حيث إن مع انخفاض الطلب العالمي على النفط إلى مستوى أقل مما كان عليه عام 2006، لم تكن المفاجأة وحدها في ارتفاع سعر النفط إلى الضعف عام 2009 ، بل المفاجأة كانت في الارتفاع في حد ذاته في ظل الظروف الاقتصادية وحالة أسواق النفط التي كانت سائدة في تلك السنة. بطبيعة الحال ينبغي عدم إغفال الدور الذي لعبته منظمة الأقطار المصدرة للنفط ''أوبك'' في خفض الإمدادات النفطية بصورة كبيرة لغرض سحب الفائض المعروض من الأسواق وتحقيق توازن بين العرض والطلب. حيث كان للمنظمة دور مهم وفاعل وفي الوقت نفسه صعب للغاية لموازنة السوق نتيجة الانهيار الكبير في الطلب، خاصة الطلب في منظمة دول التعاون والتنمية. كذلك عانت اقتصادات البلدان النامية هي الأخرى الانكماش الاقتصادي الحاد، وهو كذلك كان حال النمو في الطلب على النفط فيها. لا ينبغي أيضا الاستهانة بالمساهمة التي قدمتها الصين التي ساعدت على استقرار أسعار النفط نتيجة ارتفاع الطلب على النفط فيها. كما أن ارتفاع تكاليف مشاريع النفط وخصوصا المشاريع الهامشية الأكثر تكلفة marginal cost projects، هي الأخرى ساعدت في هذا الجانب, حيث وضعت أرضية لأسعار النفط، هبوط الأسعار دونها سيخل بالتوازن بين العرض والطلب لمصلحة الطلب. عادة في بداية كل سنة، يعكف محللو النفط على تحليل الأسباب الكامنة وراء فشل المنتجين غير الأعضاء في ''أوبك'' في تحقيق النمو في الإمدادات النفطية المتوقعة سابقا، لكن في عام 2009 كانت المفاجأة زيادة الإنتاج من هذه الدول أكثر من المتوقع. حيث إن على الرغم من الاضطرابات في أسواق النفط العالمية وتذبذب الأسعار، إلا أن عام 2009 شهد زيادة في الإمدادات النفطية من المنتجين من خارج منظمة الأقطار المصدرة للنفط Non - OPEC أكثر من المتوقع. حيث ازدادت الإمدادات النفطية من المنتجين من خارج منظمة الأقطار المصدرة للنفط بنحو 0.5 مليون برميل يوميا عام 2009 مقارنة بعام 2008، وهي أكبر زيادة في إنتاج المنتجين من خارج ''أوبك'' منذ عام 2004. المساهمون الرئيسيون في هذه المفاجأة الإيجابية هم: الولايات المتحدة, روسيا، البرازيل، والمكسيك, حيث إن عام 2009 كان عاماً معتدلا نسبيا من ناحية الأعاصير لخليج المكسيك بعد التوقفات التي شهدها نتيجة الإعصار جوستاف والإعصار أيك في عام 2008. وعلاوة على ذلك، ارتفع الإنتاج من حقل Thunder Horse أكثر من المتوقع وتحول نشاط الحفر إلى الحفر البحري نظراً لحدوث انهيار في أسعار الغاز في الولايات المتحدة ما ساعد على زيادة إنتاج الولايات المتحدة لأول مرة منذ ثلاثة عقود تقريبا. هذه التطورات في إنتاج النفط من خليج المكسيك شكك في النظرية التي تدعي أن الإنتاج في المنطقة وصل إلى ذروته, وأن الاحتياطي النفطي في المنطقة في انخفاض مستمر. هذه النظرية تلقت ضربة أخرى عندما اكتشفت شركة BP احتياطيا كبيرا يقدر بنحو ثلاثة مليارات برميل من النفط في حقل Tiber بعد الانتهاء من حفر إحدى الآبار التي تعد الأعمق من نوعها في المنطقة والعالم. أما روسيا فقد عانت فيها الشركات المحلية الأزمة الاقتصادية وارتفاع الضرائب المفروضة على الإنتاج والتصدير، ما أدى إلى خفض مستوى الاستثمار في إدامة الإنتاج من الحقول الحالية وتطوير حقول جديدة. مع كل ذلك الإنتاج الروسي ارتفع عام 2009 عكس جميع التوقعات السابقة، نتيجة بدء بعض الحقول الجديدة في الإنتاج وخفض الضرائب المفروضة على التصدير وعلى الإنتاج من المناطق الجديدة النائية. أخيراً، شهدت المكسيك، التي إنتاجها من حقل Cantrell العملاق, انخفاضا في الإنتاج بنحو 60 في المائة في العامين الماضيين إلى الربع الثالث من عام 2009، وبعض الاستقرار في الإنتاج في الربع الرابع من العام الماضي.
إن إنتاج الدول غير الأعضاء في ''أوبك'' الذي فاق كل التوقعات السابقة، أدى إلى زيادة في الإمدادات النفطية, وهذا يعد عامل ضغط على أسعار النفط، خصوصا في حالة عدم وجود أي حدث غير عادي في السوق من ناحية الطلب. كما أن الطاقات الإنتاجية الاحتياطية في منظمة الأقطار المصدرة للنفط ''أوبك'' التي ارتفعت إلى أكثر من 6.0 ملايين برميل يوميا عام 2009، أي بزيادة تقدر بنحو 3.0 ملايين برميل يوميا على عام 2008، هي الأخرى تعد عامل ضغط على أسعار النفط.
وستتوقف التوقعات بالنسبة إلى أسعار النفط خلال عام 2010 على الانتعاش في الطلب العالمي على النفط وقدرة المنتجين غير الأعضاء في ''أوبك'' على التغلب على الصعاب مرة أخرى. من حيث الطلب العالمي على النفط، فهو محصور في البلدان: البرازيل، روسيا، الهند، والصين، حيث إن هذه الدول، ربما باستثناء روسيا، تقود العالم حاليا من الركود الاقتصادي. الصين تجاوزت الولايات المتحدة كأكبر المشترين للسيارات في صيف العام الماضي. حيث إن سياسات التحفيز التي استهدفت قطاع السيارات، التي في معظمها على شكل محفزات قصيرة الأجل مثل خفض الضرائب والإعانات النقدية المباشرة لمشتري السيارات الجديدة، أدت إلى طفرة كبيرة في مبيعات السيارات. هذا النمو الهائل في أسطول المركبات وفر أساسا قويا لنمو الطلب على البنزين في الصين، هذا النمو سيؤدي إلى نمو إجمالي الطلب على النفط في الصين في حدود 0.35 مليون برميل يوميا عام 2010. وينطبق الشيء نفسه على الهند، حيث ارتفعت مبيعات السيارات الشخصية بصورة كبيرة أيضا, وبالتالي استمر نمو الطلب على البنزين فيها. الولايات المتحدة، من ناحية أخرى، أيضا تظهر فيها دلائل على حدوث انتعاش في الطلب على السيارات. مع عدم وجود علامات على إيقاف الحكومات الإعانات المالية الحالية، الطلب العالمي على النفط عام 2010 ينبغي أن يستعيد عافيته، لكن سيبقى أقل مما كان عليه في عام 2008. كما أن معدل النمو سيكون هو الآخر أقل عن المعدلات المسجلة قبل الأزمة الاقتصادية.
أما بخصوص الإمدادات، فتشير معظم التوقعات إلى أن الإمدادات النفطية عام 2010 من المنتجين من خارج ''أوبك'' ستزداد أيضا، حيث من المتوقع أن تزداد في حدود 0.4 مليون برميل يوميا أو أكثر بقليل عن عام 2009. أهم مناطق النمو في الإمدادات النفطية في الدول غير الأعضاء في ‘’أوبك’’ هي: بحر قزوين من كل من كازاخستان وأذربيجان، وكل من أمريكا الشمالية من حقول خليج المكسيك في الولايات الأمريكية والرمال النفطية في كندا، وأمريكا الجنوبية من المياه العميقة في البرازيل، ومن كولومبيا، كما أن الإنتاج الروسي الذي استعاد بعض عافيته في عام 2009 هو الآخر مرشح للنمو عام 2010. حيث إن الإنتاج الروسي تعدى حاجز عشرة ملايين برميل يوميا في شهر أيلول (سبتمبر). هذا النمو في الإنتاج سيعوض انخفاض الإنتاج من بحر الشمال والمكسيك.
إن الاختبار الحقيقي لأسعار النفط سيأتي في موسم الطلب الأعلى على النفط، الذي يتزامن مع موسم قيادة السيارات في الولايات المتحدة بين أيار (مايو) إلى أيلول (سبتمبر). كما أن هناك أدلة على أن أسعار السلع الأساسية (ومنها النفط) تحقق فوائد على حساب ضعف سعر صرف الدولار، ما يساعد على تراكم وزيادة عقود النفط، هذا العامل إضافة إلى أمور أخرى ينبغي أن تساعد على دعم أسعار النفط الحالية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي