رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


ما مصلحة أمريكا في الخنوع لإسرائيل ومعاداة المسلمين؟

خلال زيارته للمنطقة في الأيام الأخيرة، شارك جوزيف بايدن نائب الرئيس الأمريكي ''الجوقة'' في ترويج الأوهام للعرب تحت ما يسمى ''استئناف عملية السلام''.
وخلال تبشيره بالأوهام وهو في ديار المحتلين، اختارت الحكومة الإسرائيلية أن تُعلن عن خططها لإقامة مزيد من المستوطنات في القدس الشرقية. كان هذا الموقف معبرا عن ازدراء بالضيف بايدن. ليس هذا رأيي، بل رأي العالم كما قرأت وسمعت في وسائل إعلامية كثيرة.
فماذا كان رد فعل من قيل إنه تعرض للازدراء والإهانة؟ قرأت أنه تأخر عن وجبة طعام مع نتنياهو لنحو ساعة! ماذا فعلت بلاده لحمل إسرائيل على تغيير ملموس في سلوكياتها المعرقلة للجهود التي جاء يروج لها؟ نعرف أنه خطب في جامعة تل أبيب في اليوم أو اليومين التاليين، ومما قاله عن بلاده ''ليس لديها من صديق أفضل من إسرائيل في العالم بأسره''.
نسمع دوما أن العلاقات بين الدول تبنى على المصالح لا العواطف. وهنا لنا أن نسأل: علام هذه الصداقة؟ ما هذه المصالح البالغة العظم التي تجعل لدولة الاحتلال المرتبة الأولى أمام طوال الشوارب؟ أقصد أمام عشرات الدول التي تفوق إسرائيل بمرات ومرات حجما وسكانا وعتادا وقوة واقتصادا وأهمية موقع .. إلخ.
هذا السؤال يدور في ذهني على مدى سنين طويلة ولم أعثر له على جواب منطقي حتى الآن.
طبعا نعرف أن هناك علاقة استراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل. في تبرير وجود هذه العلاقة الاستراتيجية، يكرر ساسة أمريكا التزام بلادهم المطلق بضمان أمن إسرائيل. ونقرأ بين حين وآخر عبارات صادرة من كثيرين, خاصة إذا كانوا مسؤولين أمريكيين فحواها أن أمن إسرائيل ضرورة استراتيجية لأمريكا وأمن أمريكا، كما نقرأ عبارات من قبيل ''لأمريكا مصالح استراتيجية مع أو في إسرائيل''.
ما مدى صحة هذه العبارات وأمثالها؟ نسأل لأن العلاقات الاستراتيجية بين الدول تحكمها المصالح المتبادلة من اقتصادية وعسكرية وأمنية، وما إليها، وبقدر قوة هذه المصالح المشتركة تكون قوة العلاقات الاستراتيجية. وقبل أن أستمر في النقاش فإن من المهم جدا أن أنبه إلى أن المقالة لا تتبنى رأيا ولا علاقة لها بقضية شرعية وجود إسرائيل أو الاعتراف بها أو عدم ذلك.
كيف نفهم أن حماية أمن ورفاهية هذه الدولة ضرورة أمنية للولايات المتحدة، أو فيه مصلحة كبرى لها؟ ما هذه الضرورة الأمنية؟ ما هذه المصالح الكبرى؟ وحينما أقول ضرورة أمنية أو فيه مصلحة كبرى فإنني أعني استعداد الولايات المتحدة لبذل كل قوتها البشرية والاقتصادية والسياسية والعسكرية بما في ذلك النووية لأجل حمايتها أي معاملتها من ناحية تأمين الحماية كأنها ولاية من الولايات الأمريكية، رغم تكاليفه المباشرة وغير المباشرة الباهظة جدا.
حسب فهمي بقاء إسرائيل آمنة لا يوفر مصلحة أمنية أو استراتيجية ذات بال, أي ذات أهمية كبيرة لأمريكا. بل لو افترضنا ـ مجرد افتراض- عدم قيام دولة إسرائيل أصلا، فإن هذا لا يمثل لذاته خطرا على أمن أو مصالح أمريكا فضلا عن أن يكون خطرا كبيرا، بل لعل العكس هو الصحيح، فإننا لو تصورنا عدم قيام دولة إسرائيل - وما تلاه من انحياز أمريكا لإسرائيل - فإن من المتوقع أن يكون الرفض الشعبي الإسلامي أو العربي للسياسات الأمريكية الخارجية أقل كثيرا مما هو عليه واقعا، ومن المتوقع ألا تكون النظرة عدائية لأمريكا بالصورة القائمة.
وإذا أخذنا الوضع من زاوية المصلحة المادية أو الاقتصادية البحتة، فإنه لا توجد دلائل تشير إلى أن وجود تلك الدولة المفترضة لذاته سيزيل أو يضعف مصالح اقتصادية لأمريكا في الشرق الأوسط. وفي المقابل، فإن قيام إسرائيل وضمان أمريكا لأمنها لم يحقق مصالح اقتصادية لأمريكا، لكنه رتب أعباء على أمريكا.
هناك من يقول إن إسرائيل دولة يمكن أن تثق وتعتمد عليها أمريكا أكثر، وهذا القول في حد ذاته يثير سؤالا: تعتمد عليها في ماذا؟
نحن نعرف أن كل تعاون أو مورد أو ميزة تحتاج إليها أمريكا من الغير، سواء القواعد العسكرية أو المواقع الاستراتيجية أو السوق الاستهلاكية أو مساحة الأراضي، أو التعاون في محاربة أو معاداة أو احتواء الحكومات أو الدول أو التنظيمات والحركات غير المرغوب فيها لأي سبب، وغير ذلك من الاعتبارات التي تبنى عليها المصالح الاقتصادية أو العسكرية، فإنه يمكن لأمريكا الحصول عليها من دول عربية وغير عربية في المنطقة، بل هذه الدول وفرتها وتوفرها لأمريكا. أما إسرائيل فإنها لا تستطيع أصلا أن توفر بعض أو أكثر هذه الميزات بسبب صغرها من حيث المساحة والسكان، أو بسبب أسباب أخرى تجعل مصلحة أمريكا في استبعاد مشاركة إسرائيل. وقد تتبعت أهم الأزمات في المنطقة التي تعرضت لها مصالح أمريكا للخطر أو للحد من التوسع مثل الحظر النفطي والثورة الإيرانية، واحتلال العراق للكويت، وتنظيم القاعدة، وحرب أفغانستان، وأخيرا احتلال العراق، فلم أجد أمريكا محتاجة حقيقة إلى إسرائيل، بل العكس هو الصحيح، أي أن إسرائيل هي التي كانت محتاجة إلى أمريكا.
كل المقالات التي قرأتها والتي تناقش ما على أمريكا أن تعمله لتعزيز أمن إسرائيل، لا تفسر لنا لماذا هذا الأمن مهم للمصالح الأمريكية، وكأنها تفترض أن هذه المصلحة قضية بدهية مسلم بها.
اعتبار أمن إسرائيل فيه مصلحة كبيرة لأمريكا خاصة وللغرب عامة هو محض أوهام واختلاق، واليهود ـ ولا أعني بالضرورة كل اليهود- والمتعاطفون مع الحركة الصهيونية من منطلقات أيديولوجية، هم أكبر المروجين لتلك الأوهام. على سبيل المثال ذكر كيسنجر، وهو يهودي ووزير خارجية أمريكي سابق، في مقالة له عن السياسة الخارجية لبوش الابن، نشرت ترجمتها في جريدة ''الشرق الأوسط'' في عدد صادر خلال آب (أغسطس) (لا يحضرني التاريخ بالضبط) من عام 2001، ذكر أن روسيا أصبحت تتفهم أكثر أهمية بقاء إسرائيل لمواجهة ما سماهم كثيرون الأصولية الإسلامية، لكنه لم يوضح هذه الأهمية ومدى حقيقتها، خاصة مع وجود دول تحارب ما سمي بالأصولية ومنها دول تنتمي إلى منظمة المؤتمر الإسلامي، التي من الواضح أن التعاون معها أكثر فائدة لروسيا من إسرائيل في محاربة ما سموه الأصولية.
هل يوافقني القارئ على أن تلك المصلحة لا وجود لها؟ إذا كان لا يوافق على ذلك، فإنني أرجو أن يدلني على تحليل موضوعي يبين بوضوح كيف أن الدفاع عن بقاء أمن إسرائيل بضراوة هو ضرورة أمنية، أو فيه مصلحة كبرى لأمريكا بكل ما تحمله كلمات ضرورة أو مصلحة كبرى من معنى.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي