رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الفتوى والإعلام والإسلام (2)

الفكر الإنساني يمر بمراحل متعددة، والناس غالبا ما ينظرون إلى الفترة الأولى من نشأة الفكر وكأنها المرحلة الذهبية. وبمرور الزمن يبدأ الناس بالحنين إلى الجذور والشوق إلى ما يعتقدون أنه كان يمثل جوهر الفكر ولبه وأنهم أصبحوا اليوم منشغلين بالقشور والأهداب.
هذا شأن الأديان أيضا والرسالات السماوية. المسلمون يحنون إلى أيام الرسالة عندما كان الرسول معهم، يرشدهم، يدلهم، يأخذ بأيديهم، يعاتبهم ويقسو عليهم قولا وفعلا كي يخرجهم من الظلمات إلى النور ويرفع الغشاوة عن عيونهم والتعصب من قلوبهم كي يدركوا أهمية وسماوية أقواله.
والرسول ذاته لم يكن حرا في تصرفه وأفعاله، كان الله من خلال جبريل الملاك يرشده، ويأخذ بيديه، ويعاتبه ويقسو عليه وفي الوقت نفسه يعطيه من المكانة ما لم يحصل عليها غيره. وتربى الصحابة بين يديه. يرافقونه في قيامه ومقعده. يرددون الوحي معه ويصلون معه ويحضرون جلساته. وكما قلنا سابقا ليس هناك نبي كان أقرب إلى صحابته من محمد. وما وصلنا من سنته وسلوكه وأقواله وتصرفه تجاه مجمل شؤون الحياة في ذلك الزمان والمكان أكثر من أن تستوعبه ثنايا موسوعة كاملة. ولكن السنة والسيرة النبوية تناقلها الأقربون إلى النبي ولم تسطر إلا بعد سنين كثيرة من وفاته.
وإذا نظرنا إلى محمد كإنسان، وهو بشر ولم يدع غير ذلك، فإننا نرى فيه استراتيجيا ومنظرا وقائدا ومربيا ومدبرا من الطراز الأول لم تأت الإنسانية بمثله. كان له بعد نظر لم يملكه ولن يملكه قائد آخر. اقرأ السيرة والحديث، فإنك سترى المرات العديدة التي يتأمل، لا بل يتنبأ، ما سيحدث لأمته (الإسلام أمة) بعد وفاته. كان قلقا على إنجازاته العظيمة. كان يعلم أن الفكر والنهج الجديد الذي أوحي إليه ستعصف به انشقاقات واختلافات كثيرة في غيابه وأن المسلمين سيحاربون بعضهم بعضا على أمور غير جوهرية. سيتقاتلون ويقتل بعضهم بعضا وهم يتبارون في إصدار مراسيم وقرارات دينية يتعارض الواحد الآخر ومعظمها يعالج القشور وأهداب الفكر وليس جوهره.
وكان لــ محمد، الإنسان، من الفطنة والحكمة، ما لم يؤت لأي قائد آخر. انظر كيف جعل أمر المسلمين بعد وفاته شورى ولم يسم خليفة بعده وترك الأمر لمن كانوا أقرب إلى الوحي كي يختاروا خليفة لأنفسهم. هذا لم يفعله موسى ولم يفعله عيسى بن مريم. وسنأتي على ذلك في هذه السلسلة. وهكذا تبارى الراشدون الأربعة في العمل حسب النهج القرآني أولا والسنة ثانيا. ومن كان أدرى منهم في هذا؟
هل تعلمون اللقب الذي أطلقه السريان المسيحيون بعد أن فتح عمر بن الخطاب ديارهم وأنقذهم من البيزنطيين الرومان المسيحيين؟ لقد سموه (باروقا) أي الفاروق وهو لقب ما زلنا نطلقه عليه. وهل تعلمون ما معنى (باروقا) بالسريانية؟ معناه المنقذ أو المخلّص، وهو لقب يطلقه المسيحيون على المسيح، عيسى.
الإسلام الذي كان يؤمن به عمر وقاتل من أجله جعل المسيحيين السريان يرون فيه منقذا ومخلّصا من مسيحيين آخرين كانوا يحكمونهم. لقد قرأت كثيرا عن محاسن الإسلام والمسلمين في المخطوطات السريانية القديمة. هذا ليس بيت القصيد. الإسلام لا يحتاج إلى مخطوطة سريانية كي نكتشف محاسنه. لكن يجب ألا ننسى أن الإسلام رسالة موجهة للبشرية جمعاء مسلمين وغير مسلمين. والمسلمون أولى من غيرهم بأن يظهروا من خلال سلوكهم وممارساتهم نعمة الإسلام التي أنعم الله عليهم بها لغيرهم.
سلوك مَنْ نتبع وأمر مَنْ نطيع؟ أرى اليوم أن الحديث عن الإسلام لا بل الإسلام ذاته جرى خطفه. أغلب ما نقرأه ونسمعه عن الإسلام هو الفتاوى وعالمها الشاسع الذي أخش أن يتلهى به المسلمون وينسون جوهر ولبّ الرسالة التي أتت رحمة للعالمين وليس نقمة. ألا تتفقون معي أن بعض الفتاوى ونتيجة للتغطية الإعلامية الهائلة صارت نقمة على المسلمين وعلى محبي الإسلام من أمثالي؟

وإلى اللقاء

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي