تطبيق الحد الأدنى للأجور في المملكة

تراجع المملكة باستمرار سياساتها الاقتصادية وتحاول إجراء الإصلاحات اللازمة وتطبيق الأفضل, وذلك لرفع مستوى الأداء الاقتصادي وتحفيز النمو واستدامته. ومع وجود جدل كبير حول تبني تشريعات الحد الأدنى من الأجور إلا أن تبنيها سيحسن بيئة العمل في المملكة، حيث لا يوجد ولا يطبق في الوقت الحالي نظام للحد الأدنى للأجور. ومع شح المعلومات الرسمية المتوافرة عن مستويات الأجور وعن توزيع معدلات الأجور بين فئات الأيدي العاملة سواءً على المستوى القطاعي أو الكلي إلا أن هناك شواهد كثيرة على انخفاض معدلات الأجور. وانخفاض هذه المعدلات يأتي بالدرجة الأولى من انفتاح أسواق العمل في المملكة على أسواق العمل الخارجية. وترتب على هذا الانفتاح جمود تقريبي في معدلات الأجور وتدفق كبير للعمالة من أسواق العمل منخفضة الأجور. وتكثر الجاليات العمالية من الدول التي تتدنى فيها معدلات الأجور في جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا وبعض الدول العربية, ولهذا فإن مستويات الأجور في المملكة, خصوصاً للأيدي العاملة منخفضة المهارة, تتأثر بمعدلات الأجور في الدول المصدرة للأيدي العاملة إلى المملكة.
ومارس بعض الدول المصدرة للأيدي العاملة إلى الخليج والمملكة سياسات الحد الأدنى لأجور عمالتها في المنطقة، التي ترى أن معدلات أجورها متدنية. ورفعت تلك الدول الحدود الدنيا لرواتب عمالتها الشهرية، وهو ما يعني أن الحد الأدنى للأجور مطبق فعلياً في المملكة من قبل بعض الدول المصدرة للعمالة وأنه يغطي بعض القطاعات. وهنا يمكن طرح تساؤل عن مدى احتياج المملكة إلى سن وفرض حدود دنيا للأجور؟ وأعتقد أننا في حاجة إلى البدء في تطبيق سياسات الحدود الدنيا من الأجور ولعدد من الأسباب.
فالحد الأدنى للأجور سيساعد على التصدي للفقر, فمعدلات الأجور, كما تشير بيانات وزارة العمل الواردة في التقرير السنوي لمؤسسة النقد العربي السعودي, متدنية في القطاع الخاص, ونسبة كبيرة من العمالة تتلقى أجوراً أقل من الدخول التي يتلقاها المستفيدون من الضمان الاجتماعي. ويبلغ متوسط الأجور الشهرية في القطاع الخاص 1353 ريالا عام 2008، ما يعني أن جزءا كبيرا من العاملين يتلقى مرتبات تقل كثيراً عن هذا المبلغ. وتتلقى بعض فئات العمالة أجوراً لا تتجاوز 400 ريال في الشهر وتعمل لأكثر من 60 أو 70 ساعة في الأسبوع وهو يمثل معدل أجر في الساعة يقل عن ريال ونصف الريال. ولا أعتقد أن هناك شخصاً في الوقت الحالي يعتبر مثل هذا الأجر مقبولا أو مناسبا، بل هو منخفض جداً ويضع المتلقين له في خانة الفقر المدقع وليس الفقر النسبي فحسب .. فهل من المعقول ترك بعض الأعمال تمارس ابتزازا واضحا للعمالة مهما كانت جنسيتها؟ ومع صعوبة تحديد مستوى الحد الأدنى للأجور إلا أني أعتقد أنه ينبغي أن يضمن دخلاً للعمالة لا يقل عن مخصصات الضمان الاجتماعي, بل من الأفضل أن يتجاوزها. ويوجد عديد من المعوقات التي تقف في وجه تطبيق الحد الأدنى من الأجور لعل أبرزها انخفاض مستويات تطبيق الحد الأقصى لساعات العمل في المؤسسات الخاصة. ويعمل عدد كبير من الأيدي العاملة ساعات طويلة تفوق كثيراً المعدلات العالمية لساعات العمل التي تبلغ نحو 40 ساعة في الأسبوع. ونظرا لصعوبة فرض حد أقصى لساعات العمل الأسبوعية في الوقت الحالي يمكن في البداية تحديد رواتب شهرية دنيا حتى يتم تحديد معدلات الأجر بالساعة.
وقد يتساءل البعض عن إمكانية تطبيق الحد الأدنى للأجور في المملكة مع انخفاض فاعلية تطبيق الأنظمة الاقتصادية, خصوصاً العمالية, ففي حالة الاستمرار في انخفاض هذه الفاعلية فإن عدم تطبيق تشريعات الحدود الدنيا للأجور سيكون السائد فعلياً على أرض الواقع حتى لو تم تبني نظام للحد الأدنى للأجور. وقد يطرح تساؤل آخر عن ضرورة اقتصار تطبيقه على العمالة السعودية فقط أم أنه ينبغي أن يطبق على العمالة كافة مهما كانت جنسيتها؟ وأعتقد أنه ينبغي تطبيقه على جميع أصناف العمالة بغض النظر عن جنسيتها، حيث إن تحديده للعمالة السعودية فقط سيؤدي فقط إلى رفع مزايا توظيف العمالة الأجنبية بدلا من السعودية. وعلى أي حال ينبغي تطبيق أنظمة العمل جميعها بالتساوي على جميع العمالة بغض النظر عن جنسيتها. وقد يرى بعضهم أن هذا يساعد العمالة الأجنبية ويمنحها امتيازات أفضل ويشجع تدفقها, وأن في هذا محاباة لها. وهذا في رأيي وجهة نظر قاصرة, فتطبيق الأنظمة العمالية على العمالة السعودية دون الأجنبية سيشجع موظفي العمالة على الاستعانة بالعمالة الأجنبية بدلاً من السعودية, وهذا ليس في مصلحة الأيدي العاملة السعودية. من جهة أخرى فإن تطبيق حدود دنيا للأجور سيرفع تكاليف العمالة الأجنبية ويشجع على إحلالها بالسعودية. وعلى العموم أعتقد أن تشجيع السعودة يتطلب تقديم المزايا نفسها للعمالة الأجنبية والسعودية دون تمييز. ووضع حد أدنى للأجور سيساعد على خفض الطلب على العمالة غير الماهرة التي تملأ أسواق المملكة وسيشجع على رفع الكثافة الرأسمالية للاقتصاد, ما سيرفع معدلات الأجور ويساعد بدوره على السعودة.
لقد كان من المستغرب جداً أن يرفض مجلس الشورى تبني توصية بوضع حد أدنى للأجور في وقت سابق, وهذا يشير إلى سيطرة المعارضين للحد الأدنى للأجور على مجلس الشورى على الرغم من وجود شواهد كثيرة على انخفاض معدلات الأجور في القطاع الخاص. وتتركز الأجور المرتفعة في قطاعات معينة مثل قطاعات المصارف والاتصالات والنفط والحكومة والمراكز القيادية في القطاعات الأخرى. إن المملكة في حاجة إلى تبني عديد من السياسات التي ترفع مستويات تنظيم سوق العمل وتحسن بيئتها. وتطبيق حد أدنى للأجور سيسهم بلا شك في تحسين بيئة العمل ورفع دخل فئة غير قليلة من العاملين ومحاربة الفقر. وقد تختلف تأثيرات الحد الأدنى من الأجور في المملكة ودول الخليج عن الدول الأخرى بأنه سيدفع إلى تشغيل العمالة الوطنية ويساعد على سعودة الوظائف.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي