التقليدُ.. ما له، وما عليه

تمر حياة الأمم بمراحل عمرية كحياة الأفراد تماماً بتمام، إذ تبدأ كل أمة بمرحلة الضعف والوهن، وهى في حياة الأفراد مثل مرحلة الطفولة الحابية المُقلدة، وهى فترة «هالوكية» يركن فيها الصغير إلى الكبير، والضعيف إلى القوى من أجل التعلم، أو اكتساب الخبرة، أو استلهام فكرة التعامل مع مفردات الحياة، وفى هذا المضمار لا يعيب أحداً على صغير ضعيف إذ ارتمى في أحضان كبير قوى، ولو كان الأمر بشروط الأقوى حتى حين.. هذا واقع حياتي له ما يبرره في سلوك الأفراد والأمم!!.

ولقد أردتُ من هذه المقدمة إيجاد توطئة منطقية، ومدخلاً معقولاً لما يسمى بـ «التقليد»، بعدما استنكفت أقلام عن الحوم حوله، ناهيك عن الخوض فيه، معتبرين أن مجرد ذكره إراقة لكرامة الضعفاء على أعتاب الأقوياء من أجل رشفة ماء، أو كسرة خبز، أو نظرة رضا، ومفسرين التقليد بأنه عقيدة الضعفاء فكرياً، أو ثقافياً، أو علمياً، أو....أو.....الخ، لكن تفسير الأمر على هذا النحو يُعد محواً لفلسفة التكيف مع الواقع، ومدخلاً لسياسة التهرب من مواجهته، وابتكار صيغة ما للتعامل مع معطياته.

لذا، فإن منطق الأشياء يفرض النظرة الواقعية المتزنة للأمر، فهي ترفض الاستكانة والاستسلام للأمر الواقع، كما ترفض التغني بالنعرات الجوفاء التي تدعو إلى التوقف والتجمد من أجل البحث عن طريق الآباء والأجداد، وفى ذات الوقت تتعامل مع الآخر بذكاء وفطنة من أجل الاستمرار بخطوات معقولة على درب المتحركين، مع الحفاظ على المبدأ والهوية والتقاليد، كي لا تذوب كيانات داخل كيانات.

من هذا المنطلق، فليس عيباً أن يتبنى أفراد، أو تتبنى أمم، في مرحلة الضمور الفكري والعلمي والبحثي، أو في مرحلة الوهن الاقتصادي والإنتاجي.. فكرة التقليد الإيجابي، إذ أن هناك فرق بين تقليد من أجل العلم والعمل، وربما إضافة بصمة بعد طول ممارسة، أو اكتساب خبرة مختلفة، أو ربما يوحى التقليد بفكرة جديدة، أو إنتاج جديد يتواءم مع تركيبة المجتمع الثقافية والاجتماعية، وهذا نوع من التقليد لا بأس به، لأنه يقوم على فكرة الانتقاء والترشيح، بهدف نقل الصالح وترك الطالح، ومن ثم فقد يكون مطلوباً في بعض مراحل الركود الفكري، والعلمي، والبحثي.. إتباع هذا المنهج، وهو ما يسمى «بنقل تجارب الغير»، وقد نجح أفراد، كما نجحت أمم، بفضل إتباع هذه الطريقة الذكية في التعامل مع معطيات الواقع، وربما متغيراته المفروضة.

أما النوع الآخر، وهو التقليد السلبي أو الأعمى، الذي لا يُراعى التركيبة العقلية والعقائدية للمجتمع، من خلال نقل كليات التجارب وجزيئاتها نقلاً حرفياً بلا فرز أو انتقاء، فهو الخطر الذي يهدد بطمس الهوية، وذوبان كيانات ضعيفة داخل كيانات قوية، وأحسب أن عدداً ليس بالقليل من الكيانات الضعيفة قد انزلق إلى هذا المنحدر الخطير، إعجاباً وانبهاراً بالأقوياء، أو تكاسلاً في طلب العلم، وبذل العناية في مجالات البحث والاستنباط والاستدلال، وهؤلاء كمن تناول طعاماً جاهزاً في المطعم الملاصق، لأنهم لا يملكون الهمة والإرادة للطهي في بيوتهم!!.

ولذا، فلا عجب أن نرى نسخاً مكررة، وحركة نمطية، تمتد طولاً وعرضاً بين الأفراد والمجتمعات التي تنظم إيقاع نشاطها في الحياة على نغمة تقليد الغير، وعليه فلا جديد حصلوا عليه من هناك، ولا قديم حافظوا عليه من هنا، ومن ثم فليس بعسير على كل متأمل أو قارئ للأحداث أن يلاحظ وبكل يسر كيف أن الحياة قد ضاقت على من مضى في هذا الطريق الحالك، وللأسف فالأمر أضحى ظاهرة في مجتمعات نامية تنتهج سياسة التقليد بلا وعى ولا فهم، لأنها جافت وحادت عن سنة كونية، تقر اختلاف ميول البشر ونزعاتهم الفكرية والانفعالية والسلوكية.

بقيت قصة الغراب الذي غرَّه حال الطاووس، وخال عليه واقعه، فذهب ليقلده بغباء، فكشفته بقية الغربان، فضحكت عليه، فأراد أن يعود إلى أصله فما استطاع، فلا ترك المسكين نفسه غراباً كبقية الغربان ورضي بصورته وهيئته، ولا صار طاووساً كما تمنى!!.

ولا أدرى إن كان هذا الغراب قد انتحر بعد ذلك أم لا؟!.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي