رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


استراتيجيات: العودة إلى خريطة ما قبل الإسلام

بعض الأمور ترفض التغيير، بل كلما تبدو متغيرة ترجع إلينا في ثوب جديد ليخفي نفس القالب. قبل الإسلام ولقرون كان صراع القوى في المنطقة بين بلاد فارس واليونانيين ثم الروم، ومن نفس البقعة الجغرافية تقريباً، ولم تكن مصر بعيدة، ولو أن الطابع المصري عدا استثناءات هنا وهناك كان في غالبه راغبا في البقاء في حدود وادي النيل، بل إنها عادة ما تكون مطمعاً أكثر منها طامعا. واليوم في نفس الاتجاه تبدو إسرائيل لاعبا أساسيا في تجاذبات صراع القوى في المنطقة. تركيا أخذت اليوم مكان اليونانيين والروم، وأخذت إسرائيل ولو جزئيا دور مصر. تغير الدين في بلاد فارس بعد الفتح الإسلامي، وتغير الدين في تركيا وأعاد الوجود العبراني مكانته في المكان، ولكن الدين الإسلامي انقسم مع اعتناق إيران المذهب الشيعي قبل بضعة قرون. ولكن الأهم من ناحية استراتيجية أن القوى المؤثرة عادت كما كانت غير عربية ولو أن لحمة الدين خففت وطأة الفروق الموضوعية للخلاف عدا إسرائيل.
في الأساس لا يزال النزاع في جوهره قومياً، استطاعت مصر أن تصبح عربية إسلامية، ولكنها أصبحت أقل أهمية استراتيجيا بسبب عجزها التنموي من ناحية وبسبب وجود إسرائيل الأقوى والأقرب جغرافياً إلى قلب المنطقة. الواضح أن إيران وتركيا وإسرائيل هم الثلاثي الأقوى والأكثر رغبة في فرض وجودهم الجيواستراتيجي. ما أشبه الليلة بالبارحة، صراع بين دول المنطقة والعرب منقسمون ومهمشون حتى بعث الله محمدا ــ صلى الله عليه وسلم ــ بالرسالة النبوية، وبقية التاريخ معروفة. ولعل أكبر دليل على ذلك هو تضاؤل أهمية الصراع العربي ــ الإسرائيلي على حساب تزايد أهمية الصراع الإسرائيلي ــ الإيراني على الهيمنة الإقليمية.
تركيا تشارك العرب في المراقبة ولكنها طامحة ولديها توجس من هزيمة إيرانية من قبل إسرائيل بمساعدة غربية ليس حباً في إيران بقدر ما هو حرص على الحفاظ على درجة توازن قوى قابل بأهمية تركيا ومركزيتها.
يقول أحد المثقفين إن التاريخ لا يعيد نفسه ولكنه يتناغم. وكما يذكرنا ديننا أنه لن تظهر رسالة جديدة بعد خاتم الأنبياء ــ صلى الله عليه وسلم ــ ولكن ما قد يظهر هو رؤى استراتيجية وبرامج تنموية عميقة وشاملة، حيث يذكر القرآن الكريم أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. في الماضي استفاد العرب حينما أنهك الفرس واليونانيون بعضهم بعضاً.
آفاق الصراع تتعدى الإقليمي في أوسع دوائر، فهناك الدور الغربي المباشر وغير المباشر ورغبة دول الخليج في تفادي حرب جديدة في الخليج، كذلك ليست الصين دون نفوذ. في ظل هذه الدوائر الكبيرة والصغيرة وتقاطعاتها يصعب التنبؤ بما سوف يحدث، ولكن الواضح أن هناك عدم توازن ونزوة طموح، فهذه الحالة السائلة لا بد أن تأتي بتغيرات ومفاجآت. كذلك من الواضح أن الدور العربي محدود ولكن ليس العرب دون نفوذ. يستطيع العرب تعزيز دورهم من خلال التنمية ومحاولة تفادي الدخول في الصراعات حتى تحقيق اختراقات تنموية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي