لا فائدة من النقل بدون التعاون

نشر أن مجلس الشورى ناقش الأسبوع الماضي استمرار بقاء الشأن الاقتصادي في وزارة المالية، رغم صدور أمر ملكي في صفر 1424هـ الموافق أيار (مايو) 2003 بنقله إلى وزارة الاقتصاد والتخطيط.وتعليقا أقول من باب الاختصاص والخبرة المهنية إنه لا فائدة من النقل دون التنسيق والتعاون الفعال بين الوزارتين. ولا تنسيق ولا تعاون في ظل طرائق وأساليب التعامل السائدة حاليا بين الأجهزة الحكومية، حيث غلبة الفردية وضعف العمل الجماعي، وحيث يعمل كل جهاز باستقلالية تقريبا.
ما مفتاح الحل؟
وضع تنظيم مفصل يحوي (ضمن ما يحوي) آليات واضحة في التنسيق والتعامل الفعال بين الوزارتين، كما هو الوضع في دول كفرنسا، حيث هناك وزارتان, وزارة للاقتصاد والقطاع المالي ووزارة للميزانية والحسابات العامة، تعملان جنبا إلى جنب بشكل يومي. وساعد على ذلك كون الوزارتين في مبنيين شاهقين متلاصقين، يبدوان من الخارج كما لو كانا مبنى واحدا ووزارة واحدة.
أو قد يرى أن الأفضل دمج الوزارتين ضمن تنظيم فعال.
لماذا إما دمج وإما نقل مع تنسيق وتعاون؟ لأن حسن إدارة المالية العامة يتطلب قدرات تحليلية اقتصادية.
وتوضيحا، يهتم محللو السياسات العامة بتقييم قدرة سياسات المالية العامة على الرسوخ والاستمرار، والوفاء بالمطالبات المحتملة على الحكومة، بما في ذلك التزامات الضمان الاجتماعي والتقاعد.
ومن جهة إعداد مسودة الميزانية، فإن رشاد قرار تخصيص/توزيع الموارد العامة (تخصيص موارد الميزانية) يبنى على وضع أدوات السياسات المالية وتحليلها، وتعزيز التنسيق في مجال المالية العامة الكلية، وتوفير المشورة الفنية حول قضايا اقتصادية كثيرة.
يتطلب تحقيق الأهداف ومواضع الاهتمام السابقة توفير إحصاءات منهجية وشاملة ودقيقة بشكل متسق يساعد على تبني سياسات أكثر رشادا وصوابا. كما أن توفير تلك الإحصاءات عن مالية الحكومة يعمل على تعزيز شفافية عمليات الحكومة، وحسن تخصيص الموارد، وهذا بدوره يسهم في زيادة الثقة بالاقتصاد، وحسن إدارته.
وكثير من الدول (وما أزمة اليونان عنا ببعيد) تعاني عدة مشكلات في إدارة الإنفاق الحكومي والسياسة المالية العامة. ومن هذه المشكلات كفاءة توزيع الموارد والضعف في ضوابط الالتزامات والتنفيذ ومتابعتهما وضعف القدرات في تقييم ومراقبة الاقتصاد المحلي والعالمي. ويساعد على تأزم هذه المشكلات استمرار الأسلوب التقليدي في إعداد الميزانية وصرفها والقائم على المعيار التاريخي والتفاوض المضني في تخصيص النفقات العامة بين أجهزة الحكومة.
لتقليص المشكلات السابقة، يمكن للجهات المسؤولة عن الميزانية أن تضطلع بوظائف أكثر فاعلية في مجال المالية العامة الكلية، من أجل استقرار أفضل، ليس فقط فيما يخص الأجور، لكن أيضا في موارد ونفقات الميزانية عامة على المديين المتوسط والبعيد. كما يمكنها أن تسهم بفاعلية أكثر في توجيه الموارد المالية لخدمة استراتيجيات النمو الاقتصادي والاستثمار المادي والبشري. وتكتسب هذه القضايا أهمية أكبر في الاقتصادات القائمة على الموارد الطبيعية المملوكة للحكومات كالاقتصاد السعودي.
ويعتمد الرشاد في رسم وتنفيذ الميزانية على إلمام الجهة أو الجهات المسؤولة عن إدارة المالية العامة (وزارة المالية فيما يخص المملكة) بأوضاع الاقتصاد الكلي. كما أن التنسيق المالي الكلي يعطي معلومات عن مسار التنمية الاقتصادية على المدى القصير والمتوسط، وهذا يمكن أن يوفر أداة مفيدة لكبار مسؤولي الدولة. كل هذا يستوجب التنسيق الوثيق المستمر داخل إدارات الجهة المعنية بإعداد مسودة الميزانية، والتنسيق الوثيق المستمر مع الغير.
ولذا قلت من البداية إنه لا فائدة من النقل دون التعاون.
وفي الوقت نفسه، نحن في حاجة إلى تنظيمات وقوانين في إعداد الميزانية وآليات تخصيص مواردها بين الاستعمالات حسب القطاعات والمناطق. وينبغي أن تبين هذه التنظيمات العلاقة الدقيقة بين وكالة وزارة المالية للميزانية وأمانة المجلس الاقتصادي الأعلى وبقية أجهزة الحكومة، بدلا من الوضع القائم الآن الخاضع للاجتهادات الشخصية في أكثر الأحيان. والحقيقة أن إنشاء المجلس الاقتصادي الأعلى نتج منه تداخل (أو تجاهل) بعض مهامه مع المهام القائمة قبل إنشاء المجلس كلتا الوزارتين المالية والاقتصاد والتخطيط. ولم يعالج هذا التداخل علاجا فاعلا، وما زال المجلس (وأمانته) لا يمارس بعض ما يفترض أن يمارسه من اختصاصات منصوص عليها في تنظيمه.
كما ينبغي إشراك مجلس الشورى، لكن مدى نجاح هذه المشاركة مرتبط بقدرات المجلس الاستشارية والبحثية. والفرصة متاحة للاستفادة من خبرات أفراد ومنظمات ودول أخرى متطورة في إدارتها ميزانياتها واقتصاداتها.
وأختم هذه المقالة بإعطاء لمحة مختصرة جدا عن الميزانية الفرنسية.
إعداد الميزانية العامة ليس من اختصاص وزارة المالية بالمعنى التقليدي المعروف عندنا، وإنما له وزارة باسم ''وزارة الميزانية والحسابات العامة والخدمة المدنية''، وكانت هذه الوزارة جزءا من وزارة واحدة بمسؤوليات واختصاصات أوسع، ثم فصلت إلى وزارتين، الأخرى وزارة الاقتصاد وتسمى أحيانا وزارة المالية، وتركز على ما يخص الاقتصاد والقطاع المالي، وبالأخص في القطاع الخاص.
النظام المؤسساتي الحكومي لفرنسا يركز على الوظائف الحكومية الرئيسية للدولة (الأمن والدفاع والصحة والتعليم). وكغيرها من الدول النيابية، هناك ثلاث سلطات مستقلة تشريعية وقضائية وتنفيذية. وتقوم السلطات التنفيذية ممثلةً في وزيري الاقتصاد والميزانية بوضع خطط وتوقعات الميزانية وتقديمها إلى رئيس مجلس الوزراء. وبعد اجتيازها مجلس الوزراء يقدم قانون الميزانية إلى البرلمان الذي يرسلها إلى اللجنة المالية، ثم يتم التصويت على القانون في البرلمان. وتقوم السلطات القضائية بمراقبة تطبيق أنظمة الميزانية.
تتكون مديرية (مصلحة) الميزانية من إدارة فنية تعنى بسياسات الميزانية، وعدة إدارات موزعة حسب القطاعات وتمويل خدمات اجتماعية منوعة، وإدارة لسياسات الاتحاد الأوروبي، وعدة إدارات مساندة كالموارد البشرية وتقنية المعلومات، ويلاحظ وجود استقلالية في الخدمات المساندة لكل مديرية رئيسية في وزارة الميزانية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي