العالم يتقهقر بسبب أفعالنا!
يناقش المفكر إبراهيم البليهي وضع الأمة العربية وأسباب تخلفها في كتاباته الصحفية وحواراته التلفزيونية، ويُشير إلى أن العرب منذ قرون ''كانوا فاتحين وليسوا دارسين''، أي أنهم لم يحاولوا الاستفادة من الحضارات الأخرى، ''وأن العالم يتقهقر بسبب أفعالنا (نحن العرب)''. ويعزو تخلف العرب – بوجه عام - إلى الانغلاق الثقافي والاستبداد السياسي، مؤكداً أن الأصل هو التخلف ما لم يبذل المجتمع جهوداً استثنائية للخلاص من براثنه.
لا شك أن البليهي يتملك شجاعة كبيرة وصراحة أكبر. وقد نجح في إثارة بعض التساؤلات المهمة في الأذهان، وتشجيع التفكير الجاد والتأمل العميق في أسباب تخلف المجتمعات العربية؛ ولو أن هناك إجماعا – منذ أمد بعيد – على أن المجتمعات العربية في حاجة إلى نهضة علمية وثقافية، لا يمكن تحقيقها إلا من خلال تطوير التعليم وإيجاد فضاءات أرحب وبيئات أفضل لتحفيز الإبداع الفكري والعلمي.
وعلى الرغم من إعجابي بجرأة البليهي واستمتاعي ببعض أفكاره، إلا أنني أخشى أنه تجاوز مرحلة النقد البنّاء إلى الإساءة التي لا يقصدها ولا يهدف إليها بكل تأكيد. ولإيضاح ذلك، أقول ما يلي:
- لا شك أن الحضارة الغربية أسهمت إسهاماً عظيماً في تطور العلم وتطويع التقنيات لخدمة الإنسان ورفع مستوى حياته في أرجاء المعمورة كافة، ولكن ليس هناك ما يبرر التأكيد بأن ''العالم يتقهقر بسبب أفعالنا (نحن العرب)'' أو أن الحضارات الأخرى لم تقم لها قائمة إلا من خلال اعتمادها على الحضارة الغربية.
- لا يرى البليهي أملاً في خلاص العرب من التخلف، ولكنه – في الوقت نفسه – يُشيد بتجربة دبي، على الرغم من أنها تجربة عربية محدودة موضوعياً وجغرافياً وزمانياً، وبرزت بين ليلة وضحاها.
- يؤيد البليهي آراء بعض المفكرين الغربيين أن العرب لم يقدموا إسهامات أصيلة للحضارة الإنسانية، لأن ما خلفوه من تراث علمي وتقني ما هو إلا اجترار (أو إعادة تدوير) لإبداعات الإغريق.
- أخشى أن اتهام العرب بالتخلف والانغلاق الثقافي منذ بداية تاريخهم، أي قبل الإسلام وبعد، أخشى أن يفهم ضمنياً بأن هناك خللاً في الجينات الوراثية للعرب، أو يؤكد طروحات الحتم البيئي التي سادت في الفكر الجغرافي في بداية القرن الـ 20.
- ينتقد البليهي الانغلاق ويعتقد أنه سبب تخلف العرب، ولكنه – في الوقت نفسه - لا يريد أن ينشغل بقراءة ما يُكتب حول أفكاره وآرائه، أليس ذلك نوعاً من الانغلاق؟!
ختاماً، أتمنى للمفكر البليهي دوام التوفيق وللأمة العربية التقدم والازدهار من خلال إيجاد البيئة المحفزة للتفكير والمشجعة على الإبداع.