رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من الوقود الحيوي بين النظرية والواقع

معظم دول العالم المستهلكة للنفط تبحث اليوم عن بدائل للنفط من أجل تنويع مزيج الوقود المستخدم في مجال النقل والمواصلات، زيادة أمن الإمدادات وتخفيض انبعاثات الغازات الدفيئة. أحد الجوانب المقترحة لتقليل انبعاثات الغازات الدفيئة وتحقيق باقي الأهداف هو التوسع في إنتاج الوقود الحيوي كبديل للبنزين ووقود الديزل في مجال النقل. على مدى السنوات العديدة الماضية تم الترويج للوقود الحيوي في الولايات المتحدة وأوروبا باعتباره وسيلة لمعالجة المخاوف المتعلقة بتغير المناخ، وفي الوقت نفسه الاستجابة لهاجس أمن إمدادات الطاقة. الولايات المتحدة عمدت إلى إدخال تغييرات كبيرة على متوسط معايير الاقتصاد في استهلاك الوقود، كما حددت حدا أدنى إلزاميا من الأنواع المختلفة من الوقود البديلة والمتجددة لتحل محل استخدام البنزين في قطاع النقل. حيث ألزمت توريد 36 مليار جالون كحد أدنى من أنواع الوقود البديلة والمتجددة بحلول عام 2022. أوروبا وافقت على تنفيذ حزمة من الإجراءات لتغير المناخ وتحديد أهداف للطاقات المتجددة. هذه الأهداف تشمل التوصل إلى 10 في المائة كحد أدنى من حصة الوقود الحيوي من مجمل استهلاك البنزين والديزل في مجال النقل في الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2020.
إن الفوائد البيئية للوقود الحيوي تعتمد على أماكن إنتاجها وعلى المواد الأولية المستخدمة في الإنتاج، وإن تقديرات خفض انبعاثات الغازات الدفيئة من الوقود الحيوي تفترض أن الوقود الحيوي ينتج من المحاصيل المزروعة في الأراضي المنتجة حاليا فقط. هنا تجدر الإشارة إلى أن معظم التقديرات السابقة لتقييم انبعاثات الغازات الدفيئة الناتجة من استبدال الوقود الحيوي بدل الأنواع المختلفة للوقود الأحفوري تجاهلت الانبعاثات الناجمة عن استخدام الأراضي، فمثلا عند تخصيص أراضي الغابات لإنتاج الوقود الحيوي، فإن الكربون المخزون في الأشجار والشجيرات سيفقد مباشرة، وكذلك جزء كبير من ثاني أوكسيد الكربون المخزون في التربة. وهذه الآثار يمكن أيضا أن تحدث بصورة غير مباشرة، فعلى سبيل المثال استخدام محصول معين لإنتاج الوقود الحيوي في بلد معين قد يؤدي إلى تحويل الغابات والمراعي في أماكن أخرى لزراعة هذا المحصول. وعليه فإن الفوائد البيئية المرجوة من استخدام الوقود الحيوي ليست ايجابية دائما كما يصورها البعض.
إن الدراسات التي تقارن بين الانبعاثات الناتجة من جميع المراحل اللازمة لإنتاج الوقود من جني المحصول بالنسبة للوقود الحيوي أو التعدين بالنسبة للنفط الخام ثم التصنيع والتكرير إلى حرق الوقود في السيارة، وجدت أن مجموع انبعاثات الغازات الدفيئة في هذه المراحل من الإيثانول المصنوع من الذرة والإيثانول السليلوزي تتجاوز الانبعاثات أو مطابقة لتلك التي تنتج من الوقود الأحفوري، وبالتالي لا توجد أي فوائد بيئية من استخدام الوقود الحيوي, وذلك لكون زراعة المواد الأولية للوقود الحيوي تساعد على إزالة بعض ثاني أوكسيد الكربون من الجو، يمكن للوقود الحيوي من الناحية النظرية أن يحد من انبعاثات الغازات الدفيئة مقارنة بالوقود الأحفوري. حيث إن الدراسات الخاصة بتقييم الفوائد البيئية للوقود الحيوي التي تأخذ في الحسبان هذا العامل، الذي يطلق عليه عامل ''امتصاص الكربون''، قد وجدت أن استخدام الإيثانول محل البنزين يقلل من انبعاثات الغازات الدفيئة بصورة قليلة إذا كان مصنوعا من الذرة وبصورة أكبر إذا كان مصنوعا من السليولوز أو قصب السكر. إن عامل ''امتصاص الكربون'' عادة كبير بما يكفي لجعل إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة من الوقود الحيوي أقل من تلك التي من الوقود الأحفوري، الذي لا يتلقى مثل هذا الدعم لأنه يأخذ الكربون من الأرض.
لكن مع استبعاد الانبعاثات الناتجة عن تغير استخدام الأراضي، هذه الدراسات انحازت بصورة كبيرة نحو الوقود الحيوي نظرا لأنها احتسبت فوائد الكربون من استخدام الأراضي لصالح الوقود الحيوي، ولكنها لم تحتسب الانبعاثات الناتجة من تحويل الأراضي من الاستخدامات الحالية. لإنتاج الوقود الحيوي، يعمد المزارعون إلى تحويل مزيد من الغابات أو الأراضي العشبية، نتيجة لذلك يطلق إلى الجو كثير من الكربون المخزن في النباتات والتربة من خلال التحلل أو الحرق. كما أن فقدان الغابات والمراعي سيؤدي إلى تنحية الكربون المخزون نتيجة نمو النباتات في كل سنة، هذا الخزين الضائع من الكربون يعادل كمية إضافية من الانبعاثات. لذلك على الدراسات في هذا المجال الأخذ في نظر الاعتبار جميع هذه العوامل عند احتساب انبعاثات الغازات الدفيئة، ليس مجرد الاعتماد على الاستفادة الإجمالية من استخدام الأراضي لصالح إنتاج الوقود الحيوي. في هذا الجانب، يشير عديد من الدراسات إلى أنه في حالة إنتاج الوقود الحيوي من الأراضي المحولة، يكون صافي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري أكبر بكثير من انبعاثات الوقود الأحفوري. حيث إن أي انخفاض طفيف في انبعاثات غازات الدفيئة من استخدام الوقود الأحفوري نتيجة للتوسع في الوقود الحيوي سوف يكون على حساب زيادات كبيرة في انبعاثات الغازات الدفيئة الناتجة عن إزالة الغابات، نتيجة تغيير استخدام الأراضي، انبعاثات أوكسيد النيتروز وانبعاث الكربون من فقدان الكربون العضوي للتربة، والحرائق. عليه الإيثانول المستخرج من الذرة، بدلا من أن يحقق وفورات بنسبة 20 في المائة من الانبعاثات، يضاعف تقريبا من انبعاثات الغازات الدفيئة على مدى 30 عاما، ويزيد من غازات الاحتباس الحراري لمدة 167 سنة. الوقود الحيوي من العشب، إذا نما على الأراضي المزروعة بالذرة في الولايات المتحدة مثلا، سيؤدي إلى زيادة الانبعاثات بنسبة 50 في المائة.
حسب جامعة بيركلي في كاليفورنيا، تشير الحسابات التي تشمل التغيير المباشر فقط لاستخدام الأراضي الزراعية، إلى أن الإيثانول المستخرج من الذرة هو 2.4 مرة أكثر سوءا من البنزين. في حالة أخذ التغييرات غير المباشرة لاستخدام الأراضي الزراعية في الحسبان أيضا (إزالة الغابات العالمية) فإن الحسابات تشير إلى أن الإيثانول المستخرج من الذرة هو ست مرات أكثر سوءا من البنزين. إضافة إلى ذلك خلصت وكالة حماية البيئة الأمريكية في نيسان (أبريل) 2009 إلى أن زيادة استخدام الايثانول أدت إلى زيادة مستويات الأوزون، هذا مؤشر رئيس لتكون الضباب الدخاني وسبب رئيس لبعض الأمراض.
هذه النتائج تثير المخاوف بشأن الكميات الكبيرة من الوقود الحيوي التي حددتها الدول ضمن سياساتها من أجل تنويع مزيج الوقود المستخدم في مجال النقل والمواصلات، زيادة أمن الإمدادات وتخفيض انبعاثات الغازات الدفيئة!
حيث إنه في هذا الجانب يشير كثير من الدراسات إلى أن التوسع في استخدام الوقود الحيوي هو أسوأ على البيئة من عدم القيام بأي شيء.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي