القصيبي ذاك الرمز العملاق!
قرأت للدكتور غازي القصيبي، وقرأت عنه، فأعجبت به وأحببته، ثم تشرفت بمقابلته فازددت قناعة بريادته وتفرده وتميزه. فهو ليس كسائر المثقفين أو الأكاديميين، بل هو أديب مبدع، وشاعر فحل، وخطيب مفوه، وإداري ناجح، ومحاور مقنع، ومواطن شجاع، وإنسان كبير، قلما تجد له مثيلاً.
يقول القصيبي عن نفسه: ''إنني وجدت في أعماقي نازعاً إلى كتابة شعر فكتبت شعراً، ولمست في روحي دافعاً إلى كتابة رواية فكتبت رواية، وآنست في مكان ما بين القلب والعقل حافزا يسوقني إلى الخدمة العامة فانسقت معه''.
لقد نبغ في الشعر مبكراً حيث أصبح علامة في مسيرة الشعر العربي، وأسهم في مجال العمل الروائي، فوضع بصمة في تطور الرواية، ليعلن بذلك مرحلة جديدة لهذا الفن في الجزيرة العربية.
لم يكن القصيبي وزيراً عادياً في جميع المناصب الوزارية التي تقلدها، بل كان رمزاً للإبداع، ومعروفاً بالنزاهة، ومتمتعاً بالإلهام، لا يهاب النقد، ولا يخشى التغيير، إذا كان يعود بالخير على الوطن وأبنائه، حتى لو تعرض للنقد وخسر بعض الأصدقاء.
اتسم القصيبي بالشجاعة المنقطعة النظير والتحدي العنيد عندما يُستثار، مستخدماً الحجة القوية، والكلمة المقنعة، والأسلوب اللبق، مما أتعب من يحاول مجاراته في المنهج والحجة والإقناع.
جاء ديوان الوزارة فحرك المياه الراكدة، وأجبر نظراءه على التحرك من الكراسي العاجية والنزول إلى الميدان والعمل على تلمس حاجات الناس والاقتراب منهم، فرسم بذلك طريقاً جديداً لإدارة الوزارة، وأصبح علامة فارقة للوزير الناجح، وهو القائل:
سأعبر الجمر أجتاز الوهاد إلى
نبع على قمة في الأفق شماءِ
شهد له خصومه قبل محبيه بقدراته الاستثنائية وإبداعاته المتنوعة، وإسهاماته المخلصة في خدمة وطنه، ودوره الكبير في تنميته وتطويره، فلا يمكن لمنصف أن ينكر إسهاماته في مجالات الأدب والشعر والإدارة، ولا أحد يستطيع إنكار إخلاصه في خدمة وطنه والذود عنه، وتفانيه في إبراز ثقافته، فهو القائل:
ويا بلاداً نذرت العمر.. زَهرتَه
لعزّها!... دُمتِ!... إني حان إبحاري
تركتُ بين رمال البيد أغنيتي
وعند شاطئكِ المسحورِ.. أسماري
إن ساءلوكِ فقولي: لم أبعْ قلمي
ولم أدنّس بسوق الزيف أفكاري
وإن مضيتُ.. فقولي: لم يكن بَطَلاً
وكان طفلي.. ومحبوبي.. وقيثاري
سلو طُلب وصف القصيبي بكلمتين، لأجاب معظم الناس بأنه ''رائد لا يجارى.. ومبدع لا يبارى.. ورمز عملاق''. إنه بحق يستحق الإعجاب والتكريم لجهوده العظيمة، وإسهاماته المميزة، وتفانيه في خدمة أبناء وطنه وتطوير مجتمعه بإخلاص ونزاهة.
وأختتم بما قاله الشاعر والأديب عبد العزيز المقالح ''لن أكون مبالغاً أو مجاملاً إذا ما قلت إن الشاعر الكبير غازي القصيبي يُعد واحداً من القلائل الذين ملأوا الدنيا وشغلوا الناس لا بوصفه شاعراً مميزاً وواحداً من رواد التحديث الشعري في الجزيرة العربية فحسب، وإنما بوصفه أيضاً روائياً وكاتباً وسياسياً مرموقاً يدرك خطورة الكلمة ويعترف بما لها من قيمة عالية في الحياة، وبما تحمله من طاقات التثوير والتنوير والإصلاح ومقاومة الجمود والتقليد وبناء الإنسان واغتناء وجدانه، سواء كانت الكلمة شعراً أم نثراً، أدباً أم فكرا''.
وأضيف دعوتي للمهتمين من الأفراد والجامعات بتكريم هذا الرمز الوطني العملاق وعقد ندوات علمية ترصد إسهاماته وتحللها، سواء في الفكر والشعر والأدب، أو الإدارة، أو التنمية وتطوير المجتمع. وأدعو الله أن يمنحه الصحة والعافية، ليعود إلى أحضان وطنه، ويكون بين محبيه.