رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


جامعة الأمير سلطان أنموذج للعمل الاجتماعي المشترك

تحتفل جامعة الأمير سلطان يوم الثلاثاء المقبل بمرور عشر سنوات على إنشائها برعاية كريمة من لدن الأمير سلطان بن عبد العزيز. الاحتفال يحمل في طياته الكثير من المعاني العميقة والمشاعر الجياشة خاصة أنه يقام في الجامعة التي أنشئت احتفاء بعودته ـ يحفظه الله ـ معافى من رحلة علاجه الأولى ليكون ذلك مرة أخرى تعزيزا للوفاء والحب والولاء الذي يكنه أهالي مدينة الرياض لسموه. في المرة الأولى كانت كلية يافعة صغيرة رعى نبتتها الأمير سلمان بن عبد العزيز من خلال رئاسته مؤسسة الرياض الخيرية للعلوم لتكبر وتتطور وتنضج وتغدو جامعة متميزة، بل تجربة رائدة على صعيد التعليم العالي كونها أول جامعة أهلية في السعودية وكذلك على صعيد العمل المدني المؤسسي الخيري، حيث إنها المؤسسة التعليمية الوحيدة في السعودية غير الحكومية التي لا تهدف للربحية. وهي بذلك تسجل سبقا في العمل الخيري التطوعي الاجتماعي في مجال الخدمة العامة وتحديدا في التعليم الجامعي وتؤسس لمفهوم جديد في العمل الخيري وتبرز أهمية دور مؤسسات المجتمع المدني في تجسير الهوة بين القطاعين العام (الحكومي) والخاص. فمؤسسات المجتمع المدني تمثل قطاعا أساسيا في المجتمع يسد احتياجات اجتماعية واقتصادية قد يعجز عنها القطاعان الحكومي والخاص، فهي تجمع بين صفة الخصوصية في تعاملاتها المالية وتخصيصها لفئة معينة من المجتمع وفي عموميتها من حيث إن دافعها المنفعة العامة. وعلى أن المجتمع السعودي فيه من الخيرين الذين يجودون بأموالهم ووقتهم وجهدهم في العمل التطوعي وخدمة المجتمع، إلا أنه في كثير من الأحيان يكون نشاطا عشوائيا غير منظم وغير مستدام. وهذا ما يجعل جامعة الأمير سلطان كمشروع مدني لا يهدف للربحية حالة مميزة استثنائية جديرة بالاهتمام واستنساخها في قطاعات أخرى. أنشئت الجامعة آنذاك باقتراح من الأمير سلمان بن عبد العزيز ليكون الاحتفاء ذا ديمومة ويعود بالنفع على المجتمع. وهذا بلا شك يعكس فكر ورؤية الأمير سلمان وثقافته الواسعة وتجربته العميقة في العمل التطوعي وحنكته وخبرته الإدارية الثرية, كيف لا؟! وهو رائد الإدارة المحلية ورجل التنمية الحضرية الأول وأحد أهم رموز العمل الحكومي المحلي، فهذه الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض أكبر دليل وأعظم شاهد على نهجه الإداري الذي يقوم على العمل المشترك والإدارة بالأهداف.
لقد كان من توفيق الله أن يأتي إنشاء جامعة الأمير سلطان في وقت موات للاستجابة للطلب المتزايد على التعليم الجامعي فقد كانت مشكلة قبول خريجي الثانويات في أوجها ولم يكن التعليم الجامعي كمشروع اقتصادي واجتماعي بعد يستهوي القطاع الخاص, ولذا فالجامعة لم تسهم فقط في معالجة مشكلة القبول بطريقة مباشرة وعلى المدى القصير، وإنما تعد فتحا جديدا في التعليم العالي الأهلي ليتتابع بعد ذلك إنشاء الجامعات والكليات الأهلية. إن الطلب المتزايد على التعليم العالي الأهلي دليل واضح على أهميته وأنه يستجيب لمتطلبات المجتمع الحقيقية. ولا شك أن تزايد أعداد الجامعات والكليات الأهلية هو في صالح المجتمع، إذ يؤدي إلى المنافسة التي هي أساس في تطوير الجودة وتحقيق نقلة نوعية في التعليم الجامعي، بل إن هناك متغيرات كثيرة اجتماعية واقتصادية تستوجب التوسع في قطاع التعليم الجامعي وعدم اختزاله أو احتكاره في الجامعات الحكومية، ومن أهم هذه المتغيرات والمستجدات تزايد عدد السكان وتطور أنماط الاستهلاك والتطور الثقافي الذي تعيشه السعودية. هناك أمر آخر على درجة كبيرة من الأهمية وهو أن التعليم الجامعي الأهلي يمثل رافدا اقتصاديا وطنيا؛ لأن نحو (35 في المائة) من سكان المملكة من غير السعوديين ويحتاج أبناؤهم إلى الالتحاق بالجامعة، كما أن وجود الطلاب الأجانب بثقافاتهم المتعددة والمتنوعة يؤدي إلى تلاقح الأفكار وزيادة المنافسة والتشكيل الثقافي وبالتالي يحسِّن ويطور العملية التعليمية في الجامعة. كما أن التعليم الجامعي الأهلي وبحكم طبيعة تنظيمه الإداري المرن يكون أكثر استيعابا للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية بشكل أكبر وأوسع وأكثر استجابة لمتطلبات المجتمع، وهو أكثر قدرة على تكوين العلاقات الأكاديمية مع مؤسسات دولية ووطنية يستطيع بالتعاون معها تقديم خدمات تعليمية متنوعة وذات جودة عالية.
وعلى أن التجارب الأولى عادة ما يكتنفها القصور والغموض والأخطاء ومواجهة تحديات كبيرة في تحقيق الجودة ، إلا أن جامعة الأمير سلطان ومنذ اليوم الأول لتأسيسها نجحت في إرساء معايير أكاديمية عالية وخدمات بحثية متميزة واستشارات مهنية وتقديم خدمات التعليم المستمر لرجال الأعمال والمجتمع بشكل عام. هناك شواهد تؤكد هذا التميز والسمعة الحسنة والصورة الإيجابية التي اكتسبتها الجامعة عبر خبرتها القصيرة في سنواتها، العميقة بتجربتها. فهناك تقدير من المجتمع لمستوى خدماتها التعليمية تمثل في الطلب المتزايد على الالتحاق بها، والطلب المتنامي على خريجيها من القطاعين الحكومي والخاص والحرص على استقطابهم حتى قبيل التخرج. وبالفعل فقد أثبت خريجو الجامعة كفاءة وإنتاجية وتميزا في الأداء جعلهم يتفوقون على أقرانهم من خريجي الجامعات الأخرى، ساعدهم على ذلك أسلوب التعليم الإبداعي والجاد والمعارف والمهارات التي اكتسبوها وطريقة التفكير النقدي ومهارات الاتصال والخطابة والإلمام باللغة الإنجليزية لغة المال والأعمال. وفي هذا السياق لا بد أن نقول إن هذا نتيجة حتمية - بعد توفيق الله - لمستوى التخطيط الاستراتيجي والرؤية الواضحة لهذه الجامعة والعمل الدؤوب والاجتهاد وعدم التوقف ولو للحظة عند مستوى معين من الإنجاز، وإنما كان التوجه دائما وأبدا نحو البحث عن الأفضل والارتقاء لمستويات أعلى وتحين الفرصة للتطوير. وأستطيع كمتخصص في تطوير النظم الإدارية أن أقول وبكل ثقة إن التخطيط للجامعة كان تخطيطا جادًّا مهنيا إلى أبعد الحدود، وهو بلا شك يعكس حرص المسؤولين في الجامعة وعلى رأسهم رئيس مجلس أمناء الجامعة الدكتور عبد العزيز بن عياف أمين منطقة الرياض في السعي حثيثا لوضع برامج ومعايير أكاديمية عالية والاستفادة من تجارب المؤسسات الأكاديمية العريقة حول العالم عبر برامج التعاون المشترك التي زادت من زخم هذا المشروع الأكاديمي الناجح بكل المقاييس وجعل الجامعة تحتل مرتبة متقدمة. لم يتوقف دور الجامعة عند عملية التدريس وتخريج طلاب متميزين، ولكن هناك أيضا أدوار أساسية تقوم بها في تنمية وخدمة المجتمع والتعليم المستمر، فالجامعة تضم عددا من المراكز البحثية والتدريبية المتميزة تمثل حلقة وصل وتواصل بين المهتمين والمختصين والمجتمع بشكل عام لتكون قريبة منه وتستجيب لمتطلباته بما يعود بالنفع على المجتمع وتحقق المصلحة العامة.
جامعة الأمير سلطان أنموذج للعمل الخيري المؤسسي المستدام بمعايير مهنية عالية وهي في الوقت ذاته تمثل حالة متميزة للتنمية المحلية والعمل الاجتماعي المشترك ليكون احتفالها بمرور عشر سنوات على إنشائها، احتفالا بالعمل الخيري الذي يقوده سلطان الخير أدام الله على سموه نعمة الصحة والعافية وأمده بعونه وتوفيقه.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي