الجودة الشاملة .. القلب النابض لتطوير التعليم
لإنجاح كثير من الخطط الموجهة لكسر الرتابة والركود في دفع مسيرة التنمية المستدامة وتكاملها، لا بد أن نُحدث في توجهاتنا نقلة نوعية سواء في طريقة تحليلنا لواقعنا الثقافي والمعرفي والإنتاجي العلمي والعملي، أو في دراسة الغياب أو الوجود الضعيف لتطبيق أسلوب المحاكاة الشفافة للواقع الذي نعيشه وتعيشه الأجواء التربوية والتعليمية، في توجه تصحيحي أولي أساسي بعيدا عن التعظيم والتهليل والتهويل المفرغ من القوة والدقة للقضايا البسيطة، التي لطالما نقرؤها ونسمعها ثم تذهب مع الريح، أو أنها تُرَحَّل وتنتقل باسم المرحلة الأولية الاستكشافية إلى الثانية التطبيقية ثم التحليلية التصحيحية ثم التعميمية، وهو مما لا غبار عليه تنظيميا مرحليا وزمنيا موثقا إن كان مبنيا على الوضوح والدراسة التحليلية المستوحاة من المحاكاة.
الخوض في المحاكاة الشفافة والبرمجة المصاحبة لها المبنية على النظريات والمعلومات الادارية والخبرات الشخصية والواقع الملموس لها ليس بالأمر اليسير، لكنه يكمن في السهل الممتنع بناء على القناعة والإصرار والتعهد..! ولضمان الموثوقية والمصداقية؛ يجب أن نعمل بصدق وإخلاص قبل برمجة المحاكاة، وذلك بالنزول في الذات الإنسانية، حتى نغوص في أعماقها ونحثها أن تتجرد من المظاهر المادية والشيطانية التخريبية التي تستهوي القلوب الضعيفة غير الموجهة منذ بدايتها، والمتمردة بطبيعتها على كل جديد وما هو إنساني منظم، متجهة إلى الفوضى والهروب إلى خارج نطاق القيود إلى الحرية المطلقة، فإننا سنتمكن من هذه البداية التجريدية ولو بشيء ضئيل في تحديد مفتاح التلذذ بالإنسانية في التطبيقات الصحيحة للمحاكاة للأنظمة والحقوق، والمؤدية في النهاية إلى مشهد نضج العقل البشري.
في تصوري وتصور الكثيرين الذين ما برحوا يلهجون بضرورة التغيير، أنه يتضح من مخرجات التربية والتعليم حينما نضعها في موقع الفحص والتدقيق الصريح المجرد من الأهواء؛ أنها تحتاج لدفعة تغييرية سريعة مواكبة للنهضة العلمية والمعلوماتية، بحيث تفوق وتتعدى الحراك التطويري الذي تنهجه الاستراتيجيات الحالية، من أجل الوصول السريع وتخطي عامل الزمن في قبض مفتاح التلذذ بالإنسانية كهدف مهم وحيوي ورئيس للوصول إلى مشهد نضج العقل البشري، وما يتم حاليا من قرارات شملت تكوين لجنة عليا للجودة الشاملة من قبل وزير التربية والتعليم وإطلاق شركة قابضة لتطوير التعليم تزامنا مع إعادة إطلاق مشروع خادم الحرمين لتطوير التعليم ''تطوير'' ولائحة جائزة التربية والتعليم للتميز والمطالبات بتأنيث التعليم للبنين في المراحل الابتدائية الأولى والثانية والثالثة، إلاَّ خطوات مهمة وجريئة نحو إعادة هيكلة نظام التربية والتعليم.
وفي رؤية سريعة على قراري تكوين اللجنة العليا للجودة الشاملة وإطلاق الشركة القابضة لتطوير التعليم، وكي نضع القارئ المتتبع في موقع لفهم مدى ترابطهما وقوة تحركهما مع بعض نحو الهدف التطويري، فعليه يستدعي الأمر التوضيح بأن الجودة الشاملة ليست حبرا على ورق، بل هي القلب النابض للتطوير ومتابعة الالتزام بأي تغيير، ووجود الشركة القابضة لتطوير التعليم في هذا التزامن الوقتي، يُظهر معه الأهمية في الحاجة الى وجود من ينظر إلى الشركة من خارج المربع، في تحديد مدى توازنها متمثلا في اللجنة العليا للجودة الشاملة، مع ضرورة احتواء هذه الجودة الشاملة على بنود عدة متكاملة النقاط والجوانب، وذات نهج رقابي وتنافسي بين جميع الإدارات وفي داخل إدارات المشاريع الجديدة أيضا، في تحديد وتقييم مدى وصولهم لأعلى مراتب الالتزام بتلك النقاط والجوانب المدرجة في النظام، ولا يكفي أن تحوي اللجنة العليا أعضاء من مراتب عليا في الوزارة فقط كما تم في تكوينها، بل من المفترض وجود لجان فرعية تدار بمتخصصين تنفيذيين ذوي خبرات عالية في الجودة الشاملة يتم دعمهم من قبل الأعضاء من أجل قوة الدفع وتبني القرارات.
في نهاية المطاف.. إن تحقق التناغم والانسجام بين الخطط والإسترتيجيات والسياسات والنوايا، وساد الاعتقاد والإيمان والتسليم بأهمية التطوير والتغيير والابتعاد عن الأنا في بلورة القضايا، وتجلت الاستفادة من الأخطاء في كل خطوة نخطوها في حياتنا وتم استخلاص العبر من البلايا، فسوف نضع أرجلنا في بداية الطريق الصحيح للتلذذ بإنسانيتنا والخلاص مما يشوبها من الخطايا، فلطالما انتظرنا أن نرى مشهدا حيا للنضج العقلي نحاكيه ويحاكينا بلا تعتيم ولا دعاية، ويرفع التكليف بيننا ويقطع التعامل معنا بمنظور الأسرى والسبايا، وإلا سيطول شغفنا وانتظارنا وسنتخلف عن غيرنا وقد لا يحصل شيء مما نتمناه أبدا حتى بعد فنائنا ورحيلنا بالرزايا.
د. زهير ياسين آل طـه
[email protected]