شركة جازان والمراجع: من قتل الإفصاح ويدعي حمايته؟

ضمن تقريره عن الفحص المحدود للقوائم المالية الأولية للربع الرابع من العام المالي 2009م، وضح المراجع الخارجي لشركة جازان للتنمية أن هناك خسائر غير محققة من الاستثمار في أوراق مالية متاحة للبيع بلغت 33 مليون ريال، وتعود هذه الخسائر غير المحققة للهبوط في أسعار سوق الأسهم. ويرى المراجع أنه، وفقا لمعايير المحاسبة المتعارف عليها، يجب أن تحمل تلك الخسائر على قائمة الدخل, لأن الهبوط في القيمة السوقية غير مؤقت. هذا هو رأي المراجع لكن إدارة الشركة ترى الأمر بطريقة مختلفة فهي لم تزل تعتقد أن الانخفاض في القيمة السوقية هو انخفاض مؤقت، وبذلك فإنه ووفقا للمعايير المحاسبية نفسها يحق لها أن تظهر تلك الخسائر في بند ضمن حقوق الملكية، حيث لا تؤثر في صافي الدخل.
من الملاحظ في هذه النقطة أن كلا من المراجع وإدارة الشركة يستندان إلى المعيار المحاسبي الصادر من الهيئة السعودية للمحاسبين القانونين وهو معيار المحاسبة عن الاستثمار في الأوراق المالية أحد أهم معايير المحاسبة المتعارف عليها وأكثرها إشكالية ونقدا وخاصة في هذه الأيام، أيام الأزمات المالية. لكن السؤال الذي قد يشغل القارئ هو كيف يمكن أن يستند المراجع وإدارة الشركة إلى المعيار نفسه ومع ذلك يظهر خلاف بهذا الحجم. لقد حققت شركة جازان للتنمية صافي أرباح مقدرة بأكثر من مليوني ريال فإذا هي أخذت برأي المراجع فإن عليها أن تعترف بخسارة قدرها 33 مليون ريال أي أن تتحول بفعل هذا الرأي من تحقيق الأرباح إلى تحقيق الخسائر بمقدار 31 مليون ريال. فكيف لها أن ترضى بذلك، بينما هي تستطيع أن تنقل هذه الخسائر من قائمة الدخل إلى قائمة المركز المالي وتسلم لها أرباحها؟ أنا لا ألوم إدارة الشركة ولا ألوم المراجع لكن اللوم كل اللوم يقع على المعايير المحاسبية نفسها. كيف؟
المعايير المحاسبية توفر للإدارة بدائل للمعالجات المحاسبية تمكنها من اختيار أنسب الطرق لها. هذه ميزة في نظر البعض وعيب خطير في نظر البعض الآخر والذي يعتقد أن إدارة الشركات قد نفذت منه لتقوم بعمليات إدارة للأرباح (أي إظهار رقم الأرباح بما يتوافق مع أهداف وغايات الإدارة بغض النظر عن الصدق أو مصلحة المساهمين). سأوضح هذه النقطة من خلال قضية الاستثمارات في الأوراق المالية. ينص معيار المحاسبة عن الاستثمار في الأوراق المالية أنه يجب على الشركة أن تحدد القصد من اقتناء الأوراق المالية لكي تصنفها إلى (1) أوراق مالية تحفظ إلى تاريخ الاستحقاق. (2) أوراق مالية للاتجار. (3) أوراق مالية متاحة للبيع. فالأوراق المالية المتحفظ بها إلى تاريخ الاستحقاق مثل السندات والصكوك واضحة وتلك التي تحتفظ بها للمتاجرة كذلك تعد واضحة أيضا، لكن المشكلة في تلك التي تسمى “متاحة للبيع”. فلقد عرفها المعيار بأنها التي لم تستوف شروط المجموعتين السابقتين (يعني لا هي محتفظ بها للاستحقاق ولا هي للمتاجرة) فهي حالة ضبابية وسط نفذت منها الشركات للتخلص من صعوبة المعالجات المحاسبية مع الأوراق المقتناة للمتاجرة، حيث يجب الاعتراف بالخسائر الناتجة من انخفاض الأسعار في دخل الفترة سواء كان ذلك الانخفاض مؤقتا أو دائما. بينما إذا ادعت إدارة الشركة أنها متاحة للبيع فإن الخسائر الناتجة من هبوط الأسعار يمكن القول إنها مجرد عارض مؤقت، وبذلك تتلافى الشركة الاعتراف بها ضمن قائمة الدخل. المشكل في الأمر أن تلك القرارات سواء بتحديد نوع الورقة (محتفظ بها أو للمتاجرة أو متاحة للبيع)، وكذلك تقدير نوع الهبوط دائم أو مؤقت يعد قرار وتقدير بيد الإدارة وحدها. فلا مجال للمراجع لرفض تلك التقديرات أو القول إن القوائم المالية غير صحيحة بفعل ذلك.
شركة جازان تدعي أن استثماراتها من نوع المتاح للبيع وأن الهبوط فيها مؤقت! ويرى المراجع أنه غير مؤقت من يحسم الأمر في هذه القضية؟ في اعتقادي هي مشكلة إفصاح عن نوع الأسهم التي تعتقد الشركة أنها في حالة هبوط غير مؤقت. الشركة لم تخبرنا عن هذه الأسهم شيئا وعبارة المراجع موهمة إلى حد بعيد فهو يقول بأن هذه الخسائر غير المحققة تعود للهبوط في أسعار سوق الأسهم. المراجع عرف السوق إنه سوق الأسهم فلا مجال للحديث عن السندات أو الصكوك. كما تدل عبارة المراجع بأن السوق هي سوق الأسهم السعودية لأنه قال “سوق الأسهم” والتعريف هنا بالمعلوم أي سوق الأسهم السعودية. فكيف يمكن القول إن تلك الانخفاضات تعد انخفاضات مؤقتة والسوق تعاني الهبوط منذ أكثر من أربعة أعوام، وليس في المنظور القريب أن تعاود الأسعار مستوياتها الأولى، فرأي إدارة الشركة مردود لكن من يملك القدرة على التأثير في قرار الشركة؟ هل علينا أن ننتظر تعليق هيئة السوق المالية أم رأيا لهيئة المحاسبين القانونيين؟
هناك مشكلة شفافية وإفصاح لدى الشركة والمراجع لا شك عندي في ذلك. فإذا كان هناك من يقول باحتمال أن الأسهم مدرجة في سوق غير السوق السعودية وترى الشركة أن هبوطها مؤقت، بينما المراجع يرى عكس ذلك فأعتقد أنه كان على الشركة أن توضح ذلك في الإيضاحات المرفقة بالقوائم المالية والخاصة بهذا الشأن حتى نتمكن من اتخاذ قرار بشأن هذا الخلاف. نعم سبق أن أعلنت الشركة عن استثمارات أجنبية لكن أعتقد بأن علينا أن ننتظر القوائم المالية النهائية عن العام المالي 2009، فإذا لم تكن إدارة الشركة ومراجعها شفافين بشكل كاف فإن الأمر خطير ويصعب التكهن بوضع استثمارات شركة جازان على المدى القصير. ويبقى الفصل لدى حوكمة شركة جازان وهيئة السوق المالية لفرض وجهة نظر السوق والإفصاح لنعرف الحقيقة دون ذلك فإن جميع الآراء مجرد تكهنات ويمكن لإدارة الشركة نفيها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي