الشرق يتلقف ما ينفثه الغرب من تسميات مسمومة
في الجمعة الماضي ودعّنا أروقة جامعة كولورادو الأمريكية ومؤتمرها العالمي عن الإسلام والإعلام. وفي هذه الجمعة المباركة أود التأكيد أن الوداع كان للجامعة فقط. الإسلام يعيش معنا وفي وجداننا، وخير فكر في الزمان الإسلام إن تمعنّا مليّا في معانيه السامية، وإنسانيته، وإحسانه، وصدقه، ووعده، وقبوله، وإيوائه للآخر. وهذا الفكر النير سيبقى معنا، يتحدث إلينا ونتحدث إليه، يلهمنا ونتعلم من إلهامه، ما دمنا أحياء وما دام هذا العمود قائما.
وأمر آخر لا نستطيع توديعه هو الإعلام، وشتان بين الإعلام والإسلام، الإسلام يعطي الكلمة والخطابة واللغة دورا لا أظن يجاريه فيها أي فكر إنساني آخر من ضمنها الأديان السماوية الأخرى. الإسلام نعرفه من خلال اللغة - الكلمة. القرآن كلمات وجمل تتألف منها الآيات والسور، والمسلم يقرأها، ويسمعها، ويرتلها، ويرى الله، والحياة، والوجود، والكون من خلالها. لا يستطيع شخص أو صورة أو أيقونة أن تمثل الله أو الإسلام بالنسبة إلى المسلم. بينما هذا الأمر ممكن في أديان أخرى مثل المسيحية، حيث يعتقد كثير من المسيحيين أن بابا روما - شخص واحد - بيده مفاتيح الأرض والسماء.
وإذا كان الإسلام نعرفه من كلماته ولغة قرآنه - معجزة الإسلام- يفترض بالعرب وبالمسلمين أن يبزّوا الدنيا بعقلانية ومنطق وجدلية خطابهم وإعلامهم، الذي يتربى على الكلمة والقراءة والأسلوب الإعجازي ليس كمن يتربى على الصورة والأيقونة والشخصنة. ولأن القرآن عربي اللسان يفترض بالعرب أن يمتلكوا منطق الدنيا. بيد ما نلحظه هو أن المسافة بين العرب والمنطق والعقل، ولا سيما في الإعلام ما زالت شاسعة لدرجة أنهم صاروا بمثابة المتلقين أو المتلقفين لما ينفثه الآخرون ولا سيما في الإعلام.
راودتني هذه المقاربة بعد قراءتي مقالا في موقع أخبار قناة أي بي سي الأمريكية مفاده أن إدارة الرئيس الأمريكي أوباما قررت إطلاق اسم جديد على الحرب في العراق. الاسم الجديد تزويق لفظي بعيد كل البعد عن الوضع الحالي في العراق، كما كان شأن التسميات الأخرى التي تم وتتم صياغتها في مطبخ الإعلام الغربي بعناية فائقة. صياغة الاسم أهم من صياغة الذهب في الإعلام الغربي. أهمية الكلمة أو الاسم أو العبارة للدلالة على ما يخص الغرب وما يخص الآخرين لا توازيها حتى أهمية الجيوش والأسلحة الفتاكة.
هل تعلم ما الاسم الجديد، عزيزي القارئ؟ إنه «عملية الفجر الجديد»، وقد كتب وزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس مذكرة إلى قائد القوات الأمريكية الغازية في العراق، الجنرال ديفيد بتراوس بذلك. بمعنى آخر التسمية أصبحت بمنزلة أمر عسكري.
«فجر جديد» في العراق! أي عاقل يصدق هذا، وكأن مطبخ الصياغة اللغوية الأمريكية كان صادقا في التسميات الأخرى «عملية حرية العراق» و»عملية تحرير العراق». أعتقد أن جيتس نفسه يعرف أن هذه التسميات فريات إعلامية وأكاذيب عصرية منمقة ومنسقة.
ونحن نعرف ذلك أيضا، والعرب أصحاب الفصاحة، والفطنة، والفروسية، والعقل يعرفون ذلك. والكل يعرف ماهيّة الصياغات والتسميات اللغوية التي يطلقها الغرب على نفسه وأعماله، والتسميات التي يصيغها لتوصيف العرب والمسلمين من الذين لا يسيرون على نهجه وفي ركبه. السؤال هو: لماذا يتلقف الشرق العربي والمسلم هذه الصياغات «الشيطانية» ويستخدمها وكأنها من عندياته؟
وإلى اللقاء